درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۳۱: احتیاط ۵۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المسألة الثالثة

مقتضى إطلاق أكثر الأصحاب ثبوت التخيير

فيما إذا تعارض نصّان متكافئان في جزئيّة شيء لشيء وعدمها

مقتضى إطلاق أكثر الأصحاب ثبوت التغيير

كأن يدلّ أحدهما على جزئيّة السورة والآخر على عدمها. ومقتضى إطلاق أكثر الأصحاب القول بالتخيير بعد التكافؤ : ثبوت التخيير هنا.

لكن ينبغي أن يحمل هذا الحكم منهم على ما إذا لم يكن هناك إطلاق يقتضي أصالة عدم تقييده (١) عدم جزئيّة هذا المشكوك ، كأن يكون هنا (٢) إطلاق معتبر للأمر بالصلاة بقول مطلق ؛ وإلاّ فالمرجع بعد التكافؤ إلى هذا المطلق ؛ لسلامته عن المقيّد بعد ابتلاء ما يصلح لتقييده بمعارض مكافئ.

موضوع المسألة

وهذا الفرض خارج عن موضوع المسألة ؛ لأنّها ـ كأمثالها من مسائل هذا المقصد ـ مفروضة فيما إذا لم يكن هناك (٣) دليل اجتهاديّ سليم عن المعارض متكفّلا لحكم المسألة حتّى تكون موردا للاصول العمليّة.

__________________

(١) لم ترد «عدم تقييده» في (ظ).

(٢) في (ص): «هناك».

(٣) لم ترد «هناك» في (ر) ، (ص) و (ظ).

فإن قلت : فأيّ فرق بين وجود هذا المطلق وعدمه؟ وما المانع من الحكم بالتخيير هنا ، كما لو لم يكن مطلق؟

فإنّ حكم المتكافئين إن كان هو التساقط ، حتّى أنّ المقيّد المبتلى بمثله بمنزلة العدم فيبقى المطلق سالما ، كان اللازم في صورة عدم وجود المطلق ـ التي حكم فيها بالتخيير ـ هو التساقط والرجوع إلى الأصل المؤسّس فيما لا نصّ فيه : من البراءة أو الاحتياط ، على الخلاف.

وإن كان حكمهما التخيير ـ كما هو المشهور نصّا وفتوى ـ كان اللازم عند تعارض المقيّد للمطلق الموجود بمثله ، الحكم بالتخيير هاهنا (١) ، لا تعيين الرجوع إلى المطلق الذي هو بمنزلة تعيين العمل بالخبر المعارض للمقيّد.

المتعارضان مع وجود المطلق

قلت : أمّا لو قلنا : بأنّ المتعارضين مع وجود المطلق غير متكافئين ـ لأنّ موافقة أحدهما للمطلق الموجود مرجّح له ، فيؤخذ به ويطرح الآخر ـ فلا إشكال في الحكم ، وفي خروج مورده عن محلّ الكلام.

وإن قلنا : إنّهما متكافئان ، والمطلق مرجع ، لا مرجّح ـ نظرا إلى كون أصالة عدم التقييد تعبّديّا ، لا من باب الظهور النوعيّ ـ فوجه عدم شمول أخبار التخيير لهذا القسم من المتكافئين : دعوى ظهور اختصاص تلك الأخبار بصورة عدم وجود الدليل الشرعيّ في تلك الواقعة ، وأنّها مسوقة لبيان عدم جواز طرح قول الشارع في تلك الواقعة والرجوع إلى الاصول العقليّة والنقليّة المقرّرة لحكم صورة فقدان

__________________

(١) في (ر): «هنا».

قول الشارع فيها ، والمفروض وجود قول الشارع هنا ولو بضميمة أصالة الإطلاق المتعبّد بها عند الشكّ في المقيّد.

الفرق بين أصالة الإطلاق وسائر الاصول العقليّة والنقليّة

والفرق بين هذا الأصل وبين تلك الاصول الممنوع في هذه الأخبار عن الرجوع إليها وترك المتكافئين (١) : هو أنّ تلك الاصول عمليّة فرعيّة مقرّرة لبيان العمل في المسألة الفرعيّة عند فقد الدليل الشرعيّ فيها ، وهذا الأصل مقرّر لإثبات كون الشيء وهو المطلق دليلا وحجّة عند فقد ما يدلّ على عدم ذلك.

فالتخيير مع جريان هذا الأصل تخيير مع وجود الدليل الشرعيّ المعيّن لحكم المسألة المتعارض فيها النصّان ، بخلاف التخيير مع جريان تلك الاصول ؛ فإنّه تخيير بين المتكافئين عند فقد دليل ثالث في موردهما.

الإنصاف حكومة أخبار التخيير على أصالة الإطلاق

هذا ، ولكنّ الإنصاف : أنّ أخبار التخيير حاكمة على هذا الأصل وإن كان جاريا في المسألة الاصوليّة ، كما أنّها حاكمة على تلك الاصول الجارية في المسألة الفرعيّة ؛ لأنّ مؤدّاها بيان حجّية أحد المتعارضين كمؤدّى أدلّة حجّية الأخبار ، ومن المعلوم حكومتها على مثل هذا الأصل ، فهي دالّة على مسألة اصوليّة ، وليس مضمونها حكما عمليّا صرفا (٢).

فلا فرق بين أن يرد في مورد هذا الدليل المطلق : «اعمل بالخبر

__________________

(١) لم ترد «وترك المتكافئين» في (ظ).

(٢) لم ترد عبارة «فهي ـ إلى ـ صرفا» في (ظ) ، ولم ترد «صرفا» في (ت) و (ه).

الفلانيّ المقيّد لهذا المطلق» ، وبين قوله : «اعمل بأحد هذين المقيّد أحدهما له».

فالظاهر : أنّ حكم المشهور في المقام بالرجوع إلى المطلق وعدم التخيير مبنيّ على ما هو المشهور ـ فتوى ونصّا ـ : من ترجيح أحد المتعارضين بالمطلق أو العامّ الموجود في تلك المسألة ، كما يظهر من ملاحظة النصوص والفتاوى. وسيأتي توضيح ما هو الحقّ من المسلكين في باب التعادل والتراجيح (١) إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) انظر مبحث التعادل والتراجيح ٤ : ١٤٧ ـ ١٤٨.