درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۳۲: احتیاط ۵۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المسألة الرابعة

فيما إذا شكّ في جزئيّة شيء للمأمور به

الشكّ في الجزئيّتة من جهة اشتباه الموضوع

من جهة الشبهة في الموضوع الخارجيّ

كما إذا أمر بمفهوم مبيّن مردّد مصداقه بين الأقلّ والأكثر. ومنه : ما إذا وجب صوم شهر هلاليّ ـ وهو ما بين الهلالين ـ فشكّ في أنّه ثلاثون أو ناقص. ومثل : ما إذا (١) أمر بالطهور لأجل الصلاة ، أعني الفعل (٢) الرافع للحدث أو المبيح للصلاة ، فشكّ في جزئيّة شيء للوضوء أو الغسل الرافعين.

اللازم في المسألة الاحتياط

واللازم في المقام : الاحتياط ؛ لأنّ المفروض تنجّز التكليف بمفهوم مبيّن معلوم تفصيلا ، وإنّما الشكّ في تحقّقه بالأقلّ ، فمقتضى أصالة عدم تحقّقه وبقاء الاشتغال : عدم الاكتفاء به ولزوم الإتيان بالأكثر.

عدم جريان أدلّة البراءة في المسألة

ولا يجري هنا ما تقدّم من الدليل العقليّ والنقليّ الدالّ على البراءة ؛ لأنّ البيان الذي لا بدّ منه في التكليف قد وصل من الشارع ، فلا يقبح المؤاخذة على ترك ما بيّنه تفصيلا ، فإذا شكّ في تحقّقه في

__________________

(١) «إذا» من (ظ).

(٢) في (ت) و (ه) بدل «الفعل» : «الغسل».

الخارج فالأصل عدمه. والعقل ـ أيضا ـ يحكم بوجوب القطع بإحراز ما علم وجوبه تفصيلا ، أعني المفهوم المعيّن المبيّن المأمور به ؛ ألا ترى : أنّه لو شكّ في وجود باقي الأجزاء المعلومة ـ كأن لم يعلم أنّه أتى بها أم لا ـ كان مقتضى العقل والاستصحاب وجوب الإتيان بها؟

الفرق بين المسألة والمسائل المتقدّمة من الشبهة الحكميّة

والفارق بين ما نحن فيه وبين الشبهة الحكميّة من المسائل المتقدّمة التي حكمنا فيها بالبراءة هو : أنّ نفس (١) التكليف فيها (٢) مردّد بين اختصاصه بالمعلوم وجوبه تفصيلا وبين تعلّقه بالمشكوك ، وهذا الترديد لا حكم له بمقتضى العقل ؛ لأنّ مرجعه إلى المؤاخذة على ترك المشكوك ، وهي قبيحة بحكم العقل ، فالعقل والنقل الدالاّن على البراءة مبيّنان لمتعلّق (٣) التكليف (٤) من أوّل الأمر في مرحلة الظاهر.

وأمّا ما نحن فيه ، فمتعلّق التكليف فيه مبيّن معيّن معلوم تفصيلا ، لا تصرّف للعقل والنقل فيه ، وإنّما الشكّ في تحقّقه في الخارج بإتيان الأجزاء المعلومة ، والعقل والنقل المذكوران لا يثبتان تحقّقه في الخارج ، بل الأصل عدم تحقّقه ، والعقل أيضا مستقلّ بوجوب الاحتياط مع الشكّ في التحقّق.

__________________

(١) في (ص) ، (ظ) و (ه) زيادة : «متعلّق».

(٢) في (ه) بدل «فيها» : «فيهما» ، وفي (ص) بدلها : «في المسائل المتقدّمة المحكومة بالبراءة فيها» ، وفي (ظ) بدلها : «في المسألتين المتقدّمتين المحكوم فيها بالبراءة».

(٣) في (ت) و (ر): «لتعلّق».

(٤) في (ت) و (ص) زيادة : «بما عداه» ، وفي (ر) زيادة : «لما عداه».

الشكّ في القيد

وأمّا القسم الثاني ، وهو الشكّ في كون الشيء قيدا للمأمور به :

القيد قد يكون منشؤه مغايرا للمقيّد وقد يكون قيدا متّحدا معه

فقد عرفت (١) أنّه على قسمين ؛ لأنّ القيد قد يكون منشؤه فعلا خارجيّا مغايرا للمقيّد في الوجود الخارجيّ كالطهارة الناشئة من الوضوء ، وقد يكون قيدا متّحدا معه في الوجود الخارجيّ.

الظاهر اتّحاد حكمهما

أمّا الأوّل : فالكلام فيه هو الكلام فيما تقدّم (٢) ، فلا نطيل بالإعادة.

وأمّا الثاني : فالظاهر اتّحاد حكمهما (٣).

قد يفرّق بين القسمين بإلحاق الأوّل بالشكّ في الجزئيّة دون الثاني

وقد يفرّق بينهما : بإلحاق الأوّل بالشكّ في الجزئيّة دون الثاني ؛ نظرا إلى جريان العقل والنقل الدالّين على عدم المؤاخذة على ما لم يعلم من الشارع المؤاخذة عليه في الأوّل ؛ فإنّ وجوب الوضوء إذا لم يعلم

__________________

(١) راجع الصفحة ٣١٥.

(٢) وهو الشكّ في الجزء الخارجي.

(٣) وردت في (ت) و (ه) بدل «أمّا الأوّل ـ إلى ـ حكمهما» : «والظاهر اتحاد حكمهما ، والكلام فيه هو الكلام فيما تقدّم» ، إلاّ أنّ في (ت) بدل «فيه» : «فيها».

المؤاخذة عليه كان التكليف به ـ ولو مقدّمة ـ منفيّا بحكم العقل والنقل ، والمفروض أنّ الشرط الشرعيّ إنّما انتزع من الأمر بالوضوء في الشريعة ، فينتفي بانتفاء منشأ انتزاعه في الظاهر.

وأمّا ما كان متّحدا مع المقيّد في الوجود الخارجي كالإيمان في الرقبة المؤمنة ، فليس ممّا يتعلّق به وجوب وإلزام مغاير لوجوب أصل الفعل ولو مقدّمة ، فلا يندرج فيما حجب الله (١) علمه عن العباد.

والحاصل : أنّ أدلّة البراءة من العقل والنقل إنّما تنفي الكلفة الزائدة الحاصلة من فعل المشكوك والعقاب المترتّب على تركه مع إتيان ما هو معلوم الوجوب تفصيلا ؛ فإنّ الآتي بالصلاة بدون التسليم المشكوك (٢) وجوبه معذور في ترك التسليم ؛ لجهله. وأمّا الآتي بالرقبة. الكافرة فلم يأت في الخارج بما هو معلوم له تفصيلا حتّى يكون معذورا في الزائد المجهول ، بل هو تارك للمأمور به رأسا.

وبالجملة : فالمطلق والمقيّد من قبيل المتباينين ، لا الأقلّ والأكثر.

وكأنّ هذا هو السرّ فيما ذكره بعض القائلين بالبراءة عند الشكّ في الشرطيّة والجزئيّة كالمحقّق القمّي رحمه‌الله في باب المطلق والمقيّد : من تأييد استدلال العلاّمة رحمه‌الله في النهاية على وجوب حمل المطلق على المقيّد بقاعدة «الاشتغال» (٣) ، وردّ ما اعترض عليه بعدم العلم بالشغل حتّى

__________________

(١) لم ترد لفظ الجلالة في (ر) و (ظ).

(٢) في غير (ر) زيادة : «في».

(٣) نهاية الوصول (مخطوط) : ١٧٤.