درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۳۳: احتیاط ۶۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المؤاخذة عليه كان التكليف به ـ ولو مقدّمة ـ منفيّا بحكم العقل والنقل ، والمفروض أنّ الشرط الشرعيّ إنّما انتزع من الأمر بالوضوء في الشريعة ، فينتفي بانتفاء منشأ انتزاعه في الظاهر.

وأمّا ما كان متّحدا مع المقيّد في الوجود الخارجي كالإيمان في الرقبة المؤمنة ، فليس ممّا يتعلّق به وجوب وإلزام مغاير لوجوب أصل الفعل ولو مقدّمة ، فلا يندرج فيما حجب الله (١) علمه عن العباد.

والحاصل : أنّ أدلّة البراءة من العقل والنقل إنّما تنفي الكلفة الزائدة الحاصلة من فعل المشكوك والعقاب المترتّب على تركه مع إتيان ما هو معلوم الوجوب تفصيلا ؛ فإنّ الآتي بالصلاة بدون التسليم المشكوك (٢) وجوبه معذور في ترك التسليم ؛ لجهله. وأمّا الآتي بالرقبة. الكافرة فلم يأت في الخارج بما هو معلوم له تفصيلا حتّى يكون معذورا في الزائد المجهول ، بل هو تارك للمأمور به رأسا.

وبالجملة : فالمطلق والمقيّد من قبيل المتباينين ، لا الأقلّ والأكثر.

وكأنّ هذا هو السرّ فيما ذكره بعض القائلين بالبراءة عند الشكّ في الشرطيّة والجزئيّة كالمحقّق القمّي رحمه‌الله في باب المطلق والمقيّد : من تأييد استدلال العلاّمة رحمه‌الله في النهاية على وجوب حمل المطلق على المقيّد بقاعدة «الاشتغال» (٣) ، وردّ ما اعترض عليه بعدم العلم بالشغل حتّى

__________________

(١) لم ترد لفظ الجلالة في (ر) و (ظ).

(٢) في غير (ر) زيادة : «في».

(٣) نهاية الوصول (مخطوط) : ١٧٤.

يستدعي العلم بالبراءة (١) ، بقوله :

كلام المحقّق القميّ في وجوب الاحتياط في القسم الثاني

وفيه : أنّ المكلّف به حينئذ هو المردّد بين كونه نفس المقيّد أو المطلق ، ونعلم أنّا مكلّفون بأحدهما ؛ لاشتغال الذمّة بالمجمل ، ولا يحصل البراءة إلاّ بالمقيّد ـ إلى أن قال ـ :

وليس هنا قدر مشترك يقينيّ يحكم بنفي الزائد عنه بالأصل ؛ لأنّ الجنس الموجود في ضمن المقيّد لا ينفكّ عن الفصل ، ولا تفارق لهما ، فليتأمّل (٢) ، انتهى.

المناقشة فيما ذكر من الفرق بين القسمين

هذا ، ولكنّ الإنصاف : عدم خلوّ المذكور عن النظر ؛ فإنّه لا بأس بنفي القيود المشكوكة للمأمور به بأدلّة البراءة من العقل والنقل ؛ لأنّ المنفيّ فيها الإلزام بما لا يعلم وكلفته ، ولا ريب أنّ التكليف بالمقيّد مشتمل على كلفة زائدة وإلزام زائد على ما في التكليف بالمطلق وإن لم يزد المقيّد الموجود في الخارج على المطلق الموجود في الخارج ، ولا فرق عند التأمّل بين إتيان الرقبة الكافرة وإتيان الصلاة بدون الوضوء.

مع أنّ ما ذكر (٣) ـ من تغاير منشأ حصول الشرط مع وجود المشروط في الوضوء واتّحادهما في الرقبة المؤمنة ـ كلام ظاهريّ ؛ فإنّ الصلاة حال (٤) الطهارة بمنزلة الرقبة المؤمنة في كون كلّ منهما أمرا

__________________

(١) المعترض هو سلطان العلماء في حاشيته على المعالم ، انظر المعالم (الطبعة الحجرية) : ١٥٥ ، الحاشية المبدوّة بقوله : «الجمع بين الدليلين لا ينحصر ... الخ».

(٢) القوانين : ٣٢٥ ـ ٣٢٦.

(٣) في (ر) و (ص): «ذكره».

(٤) في (ت) و (ه) زيادة : «وجود».

واحدا في مقابل الفرد الفاقد للشرط.

وأمّا وجوب إيجاد الوضوء مقدّمة لتحصيل ذلك المقيّد في الخارج ، فهو أمر يتّفق بالنسبة إلى الفاقد للطهارة ، ونظيره قد يتّفق في الرقبة المؤمنة ؛ حيث إنّه قد يجب بعض المقدّمات لتحصيلها في الخارج ، بل قد يجب السعي في هداية الرقبة الكافرة إلى الإيمان مع التمكّن إذا لم يوجد غيرها وانحصر الواجب في العتق. وبالجملة : فالأمر بالمشروط بشيء لا يقتضي بنفسه إيجاد أمر زائد مغاير له في الوجود الخارجيّ ، بل قد يتّفق وقد لا يتّفق.

و (١) أمّا الواجد للشرط فهو لا يزيد في الوجود الخارجيّ على الفاقد له ، فالفرق بين الشروط فاسد جدّا.

فالتحقيق : أنّ حكم الشرط بجميع أقسامه واحد ، سواء ألحقناه بالجزء أم بالمتباينين.

المناقشة في كلام المحقّق القمّي قدس‌سره

وأمّا ما ذكره المحقّق القمّي رحمه‌الله ، فلا ينطبق على ما ذكره في باب البراءة والاحتياط (٢) : من إجراء البراءة حتّى في المتباينين ، فضلا عن غيره ، فراجع.

دوران الأمر بين التخيير والتعيين

وممّا ذكرنا : يظهر الكلام في ما لو دار الأمر بين التخيير والتعيين ، كما لو دار الواجب في كفّارة رمضان بين خصوص العتق للقادر عليه وبين إحدى الخصال الثلاث ، فإنّ في إلحاق ذلك بالأقلّ والأكثر فيكون نظير دوران الأمر بين المطلق والمقيّد ، أو المتباينين (٣) ،

__________________

(١) لم ترد «و» في (ت).

(٢) انظر القوانين ٢ : ٣٩.

(٣) في (ر): «بالمتباينين».