درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۳۵: احتیاط ۶۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

[المسألة الاولى]

هل تبطل العبادة بترك الجزء سهواً

[في ترك الجزء سهوا](١)؟

الأصل البطلان والدليل عليه

أمّا الاولى ، فالأقوى فيها : أصالة بطلان العبادة بنقص الجزء سهوا إلاّ أن يقوم دليل عامّ أو خاصّ على الصحّة ؛ لأنّ ما كان جزءا في حال العمد كان جزءا في حال الغفلة ، فإذا انتفى المركّب ، فلم يكن المأتيّ به موافقا للمأمور به ، وهو معنى فساده.

أمّا عموم جزئيّته لحال الغفلة ؛ فلأنّ الغفلة لا توجب تغيير المأمور به ؛ فإنّ المخاطب بالصلاة مع السورة إذا غفل عن السورة في الأثناء لم يتغيّر الأمر المتوجّه إليه قبل الغفلة ، ولم يحدث بالنسبة إليه من الشارع أمر آخر حين الغفلة ؛ لأنّه غافل عن غفلته ، فالصلاة المأتيّ بها من غير سورة غير مأمور بها بأمر أصلا. غاية الأمر : عدم توجّه الأمر بالصلاة مع السورة إليه ؛ لاستحالة تكليف الغافل ، فالتكليف ساقط عنه ما دام الغفلة ، نظير من غفل عن الصلاة رأسا أو نام عنها ، فإذا التفت إليها والوقت باق وجب عليه الاتيان بها بمقتضى الأمر الأوّل.

فإن قلت : عموم جزئيّة الجزء لحال النسيان يتمّ فيما لو ثبت الجزئيّة بمثل قوله : «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» (٢) ، دون ما لو قام الإجماع مثلا على جزئيّة شيء في الجملة واحتمل اختصاصها بحال الذكر ، كما انكشف ذلك بالدليل في الموارد التي حكم الشارع فيها

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) المستدرك ٤ : ١٥٨ ، الباب الأوّل من أبواب القراءة ، الحديث ٥.

بصحّة الصلاة المنسيّ فيها بعض الأجزاء على وجه يظهر من الدليل كون صلاته تامّة ، مثل قوله عليه‌السلام : «تمّت صلاته ، ولا يعيد» (١) ، وحينئذ فمرجع الشكّ إلى الشكّ في الجزئيّة حال النسيان ، فيرجع فيها إلى البراءة أو الاحتياط على الخلاف.

وكذا لو كان الدالّ على الجزئيّة حكما تكليفيّا مختصّا بحال الذكر وكان الأمر بأصل العبادة مطلقا ، فإنّه يقتصر في تقييده على مقدار قابليّة دليل التقييد أعني حال الذكر ؛ إذ لا تكليف حال الغفلة ، فالجزء المنتزع من الحكم التكليفيّ نظير الشرط المنتزع منه في اختصاصه بحال الذكر ، كلبس الحرير ونحوه.

قلت : إن اريد بعدم جزئيّة ما ثبت جزئيّته في الجملة في حقّ الناسي إيجاب العبادة الخالية عن ذلك الجزء عليه ، فهو غير قابل لتوجيه (٢) الخطاب إليه بالنسبة إلى المغفول عنه إيجابا وإسقاطا.

وإن اريد به إمضاء الخالي عن ذلك الجزء من الناسي بدلا عن العبادة الواقعيّة ، فهو حسن ؛ لأنّه حكم في حقّه بعد زوال غفلته ، لكن عدم الجزئيّة بهذا المعنى عند الشكّ ممّا لم يقل به أحد من المختلفين في مسألة البراءة والاحتياط ؛ لأنّ هذا المعنى حكم وضعيّ لا يجري فيه أدلّة البراءة ، بل الأصل فيه العدم بالاتّفاق.

وهذا معنى ما اخترناه : من فساد العبادة الفاقدة للجزء نسيانا ، بمعنى عدم كونها مأمورا بها ولا مسقطا عنه.

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٥٤١ ، الباب ٢٣ من أبواب صلاة المسافر ، الحديث الأوّل.

(٢) في (ر) و (ص): «لتوجّه».

عدم كون هذه المسألة من مسألة الإجزاء

وممّا ذكرنا ظهر : أنّه ليس هذه المسألة من مسألة اقتضاء الأمر للإجزاء في شيء ؛ لأنّ تلك المسألة مفروضة فيما إذا كان المأتيّ به مأمورا به بأمر شرعيّ ، كالصلاة مع التيمّم أو بالطهارة المظنونة ، وليس في المقام أمر بما أتى به الناسي أصلا.

توهّمُ ودفع

وقد يتوهّم : أنّ في المقام أمرا عقليّا ؛ لاستقلال العقل بأنّ الواجب في حقّ الناسي هو هذا المأتيّ به ، فيندرج ـ لذلك ـ في إتيان المأمور به بالأمر العقليّ.

وهو فاسد جدّا ؛ لأنّ العقل ينفي تكليفه بالمنسيّ ولا يثبت له تكليفا بما عداه من الأجزاء ، وإنّما يأتي بها بداعي الأمر بالعبادة الواقعيّة غفلة عن عدم كونه إيّاها ؛ كيف والتكليف ـ عقليّا كان أو شرعيّا ـ يحتاج إلى الالتفات ، وهذا الشخص غير ملتفت إلى أنّه ناس عن الجزء حتّى يكلّف بما عداه.

توهّمُ آخر ودفعه

ونظير هذا التوهّم : توهّم أنّ ما يأتي به الجاهل المركّب باعتقاد أنّه المأمور به ، من باب إتيان المأمور به بالأمر العقلي.

وفساده يظهر ممّا ذكرنا بعينه.

وأمّا ما ذكره : من أنّ دليل الجزء قد يكون من قبيل التكليف ، وهو ـ لاختصاصه بغير الغافل ـ لا يقيّد (١) الأمر بالكلّ إلاّ بقدر مورده ، وهو غير الغافل ، فإطلاق الأمر بالكلّ ـ المقتضي لعدم جزئيّة هذا الجزء له بالنسبة إلى الغافل ـ بحاله ، ففيه :

أنّ التكليف المذكور إن كان تكليفا نفسيّا ، فلا يدلّ على كون

__________________

(١) في (ت) و (ص) زيادة : «إطلاق».