درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۵۰: شبهه تحریمیه موضوعیه محصوره ۱۱

 

هل يجب اجتناب جميع المشتبهات؟

و (١) أمّا المقام الثاني :

الحقّ وجوب الاجتناب والاحتياط

فالحقّ فيه : وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين وفاقا للمشهور ، وفي المدارك : أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب (٢) ، ونسبه المحقّق البهبهانيّ في فوائده إلى الأصحاب (٣) ، وعن المحقّق المقدّس الكاظمي في شرح الوافية : دعوى الإجماع صريحا (٤) ، وذهب جماعة إلى عدم وجوبه (٥) ، وحكي عن بعض (٦) القرعة.

الاستدلال عليه

لنا على ما ذكرنا : أنّه إذا ثبت كون أدلّة تحريم المحرّمات شاملة للمعلوم إجمالا ولم يكن هنا مانع عقليّ أو شرعيّ من تنجّز (٧) التكليف به ، لزم بحكم العقل التحرّز عن ارتكاب ذلك المحرّم بالاجتناب عن كلا المشتبهين.

وبعبارة اخرى : التكليف بذلك المعلوم إجمالا إن لم يكن ثابتا جازت المخالفة القطعيّة ، والمفروض في هذا المقام التسالم على حرمتها ،

__________________

(١) «و» من نسخة جماعة المدرّسين.

(٢) المدارك ١ : ١٠٧.

(٣) الفوائد الحائريّة : ٢٤٨.

(٤) الوافي في شرح الوافية (مخطوط) ، الورقة ٢١٠.

(٥) كالسيّد العاملي في المدارك ١ : ١٠٧ ، والمحقّق السبزواري في الذخيرة : ١٣٨ ، والمحقّق القمي في القوانين ٢ : ٢٥.

(٦) تقدّم الكلام عن هذا البعض في الصفحة ٢٠٨.

(٧) في (ر) و (ص): «تنجيز».

وإن كان ثابتا وجب الاحتياط فيه بحكم العقل ؛ إذ يحتمل أن يكون ما يرتكبه من المشتبهين هو الحرام الواقعيّ ، فيعاقب عليه ؛ لأنّ المفروض لمّا كان ثبوت التكليف بذلك المحرّم لم يقبح العقاب عليه إذا اتّفق ارتكابه ولو لم يعلم به (١) حين الارتكاب.

واختبر ذلك من حال العبد إذا قال له المولى : «اجتنب وتحرّز عن الخمر المردّد بين هذين الإناءين» ؛ فإنّك لا تكاد ترتاب في وجوب الاحتياط ، ولا فرق بين هذا الخطاب وبين أدلّة المحرّمات الثابتة في الشريعة إلاّ العموم والخصوص.

توهّم جريان أصالة الحلّ في كلا المشتبهين والتخيير بينهما ودفعه

فإن قلت : أصالة الحلّ في كلا المشتبهين جارية في نفسها ومعتبرة لو لا المعارض ، وغاية ما يلزم في المقام تعارض الأصلين ، فيتخيّر (٢) في العمل (٣) في أحد المشتبهين ، ولا وجه لطرح كليهما.

قلت : أصالة الحلّ غير جارية هنا بعد فرض كون المحرّم الواقعيّ مكلّفا بالاجتناب عنه منجّزا ـ على ما هو مقتضى (٤) الخطاب بالاجتناب عنه ـ ؛ لأنّ مقتضى العقل في الاشتغال اليقينيّ بترك الحرام الواقعيّ هو الاحتياط والتحرّز عن كلا المشتبهين حتّى لا يقع في محذور فعل الحرام ، وهو معنى المرسل المرويّ (٥) في بعض كتب الفتاوى : «اترك ما لا بأس

__________________

(١) لم ترد «به» في (ه).

(٢) في (ر) و (ه): «فتخيّر».

(٣) في (ظ) زيادة : «به».

(٤) في (ظ) زيادة : «عموم».

(٥) لم ترد «المرويّ» في (ت) و (ه).

به حذرا عمّا به البأس» (١) ، فلا يبقى مجال للإذن في فعل أحدهما. وسيجيء في باب الاستصحاب (٢) ـ أيضا ـ : أنّ الحكم في تعارض كلّ أصلين (٣) لم يكن أحدهما حاكما على الآخر ، هو التساقط لا التخيير.

الحكم في تعارض الأصلين هو التساقط ، لا التخيير

فإن قلت : قوله : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» (٤) و (٥) نحوه (٦) ، يستفاد منه حلّية المشتبهات بالشبهة المجرّدة عن العلم الإجماليّ جميعا ، وحلّية الشبهات (٧) المقرونة بالعلم الإجماليّ على البدل ؛ لأنّ الرخصة في كلّ شبهة مجرّدة لا تنافي الرخصة في غيرها ؛ لاحتمال كون الجميع حلالا في الواقع ، فالبناء على كون هذا المشتبه بالخمر خلا ، لا ينافي البناء على كون المشتبه الآخر خلا.

وأمّا الرخصة في الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ والبناء على كونه خلاّ لمّا تستلزم وجوب البناء على كون المحرّم هو المشتبه الآخر ، فلا يجوز الرخصة فيه جميعا ، نعم يجوز الرخصة فيه بمعنى جواز ارتكابه والبناء على أنّ المحرّم غيره ، مثل : الرخصة في ارتكاب أحد المشتبهين

__________________

(١) ورد ما يقرب منه في البحار ٧٧ : ١٦٦ ، الحديث ١٩٢.

(٢) انظر مبحث الاستصحاب ٣ : ٤٠٩.

(٣) في (ر) ، (ص) و (ه) زيادة : «إذا».

(٤) في (ر) ، (ص) و (ه) بدل (أنّه حرام): «الحرام». الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٥) في (ر) ، (ص) و (ه): «أو».

(٦) انظر الوسائل ١٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل.

(٧) في (ر) و (ص): «المشتبهات».