درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۵۲: شبهه تحریمیه موضوعیه محصوره ۱۳

 

بالخمر مع العلم بكون أحدهما خمرا ، فإنّه لمّا علم من الأدلّة تحريم الخمر الواقعي ولو تردّد بين الأمرين ، كان معنى الرخصة في ارتكاب أحدهما الإذن في البناء على عدم كونه هو الخمر المحرّم عليه وأنّ المحرّم غيره ، فكلّ منهما حلال ، بمعنى جواز البناء على كون المحرّم غيره.

والحاصل : أنّ مقصود الشارع من هذه الأخبار أن يلغي من طرفي الشكّ في حرمة الشيء وحلّيته احتمال الحرمة ويجعل محتمل الحلّية في حكم متيقّنها ، ولمّا كان في المشتبهين بالشبهة المحصورة شكّ واحد ولم يكن فيه إلاّ احتمال كون هذا حلالا وذاك حراما واحتمال العكس ، كان إلغاء احتمال الحرمة في أحدهما إعمالا له في الآخر وبالعكس ، وكان الحكم الظاهريّ في أحدهما بالحلّ حكما ظاهريا بالحرمة في الآخر ، وليس معنى حلّية كلّ منهما إلاّ الإذن في ارتكابه وإلغاء احتمال الحرمة فيه المستلزم لإعماله في الآخر.

فتأمّل حتّى لا تتوهّم : أنّ استعمال قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك حلال» بالنسبة إلى الشبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ والشبهات المجرّدة استعمال في معنيين.

عدم استفادة الحليّة على البدل من أخبار «الحلّ»

قلت : الظاهر من الأخبار المذكورة البناء على حلّية محتمل التحريم والرخصة فيه ، لا وجوب البناء على كونه هو الموضوع المحلّل.

ولو سلّم ، فظاهرها البناء على كون كلّ مشتبه كذلك ، وليس الأمر بالبناء على كون أحد المشتبهين هو الخلّ أمرا بالبناء على كون الآخر هو الخمر ، فليس في الروايات من البدليّة عين ولا أثر ، فتدبّر.

أدلّة القول بجواز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام :

احتجّ من جوّز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام ومنع عنه بوجهين :

الأوّل :

١ ـ ما دلّ على حِلّ مالم يعلم حرمته

الأخبار الدالّة على حلّ ما لم يعلم حرمته التي تقدّم بعضها (١) ، وإنّما منع من ارتكاب مقدار الحرام ؛ إمّا لاستلزامه للعلم بارتكاب الحرام وهو حرام ، وإمّا لما ذكره بعضهم (٢) : من أنّ ارتكاب مجموع المشتبهين حرام ؛ لاشتماله على الحرام ، قال في توضيح ذلك :

إنّ الشارع منع عن استعمال الحرام المعلوم وجوّز استعمال ما لم يعلم حرمته ، والمجموع من حيث المجموع معلوم الحرمة ولو باعتبار جزئه وكذا كلّ منهما بشرط الاجتماع مع الآخر ، فيجب اجتنابه ، وكلّ منهما بشرط الانفراد مجهول الحرمة فيكون حلالا (٣).

المناقشة في الدليل المذكور

والجواب عن ذلك : أنّ الأخبار المتقدّمة ـ على ما عرفت (٤) ـ إمّا أن لا تشمل شيئا من المشتبهين ، وإمّا أن تشملهما جميعا ، وما ذكر (٥) من الوجهين لعدم جواز ارتكاب الأخير بعد ارتكاب الأوّل ، فغير صالح للمنع.

أمّا الأوّل ؛ فلأنّه : إن اريد أنّ مجرّد تحصيل العلم بارتكاب الحرام

__________________

(١) راجع الصفحة ٢٠٠ ـ ٢٠١.

(٢) هو الفاضل النراقي قدس‌سره في مناهج الأحكام.

(٣) مناهج الأحكام : ٢١٧.

(٤) راجع الصفحة ٢٠١ ـ ٢٠٢.

(٥) في (ص): «ذكره».

حرام ، فلم يدلّ دليل عليه ، نعم تحصيل العلم بارتكاب الغير للحرام حرام من حيث التجسّس المنهيّ عنه وإن لم يحصل له العلم.

وإن اريد : أنّ الممنوع عنه عقلا من مخالفة أحكام الشارع (١) ـ بل مطلق الموالي ـ هي المخالفة العلميّة دون الاحتماليّة ؛ فإنّها لا تعدّ عصيانا في العرف ، فعصيان الخطاب باجتناب الخمر المشتبه هو ارتكاب المجموع دون المحرّم الواقعيّ وإن لم يعرف حين الارتكاب ، وحاصله : منع وجوب المقدّمة العلميّة ، ففيه :

مع إطباق العلماء بل العقلاء ـ كما حكي ـ على وجوب المقدّمة العلميّة ، أنّه : إن اريد من حرمة المخالفة العلميّة حرمة المخالفة المعلومة حين المخالفة ، فهذا اعتراف بجواز ارتكاب المجموع تدريجا ؛ إذ لا يحصل معه مخالفة معلومة تفصيلا.

وإن اريد منها حرمة المخالفة التي تعلّق العلم بها ولو بعدها ، فمرجعها إلى حرمة تحصيل العلم الذي يصير به المخالفة معلومة ، وقد عرفت منع حرمتها جدّا.

وممّا ذكرنا يظهر : فساد الوجه الثاني ؛ فإنّ حرمة المجموع إذا كان باعتبار جزئه الغير المعيّن ، فضمّ الجزء الآخر إليه لا دخل له في حرمته. نعم له دخل في كون الحرام معلوم التحقّق ، فهي مقدّمة للعلم بارتكاب الحرام ، لا لنفسه ، فلا وجه لحرمتها بعد عدم حرمة العلم بارتكاب الحرام.

ومن ذلك يظهر : فساد جعل الحرام كلا منهما بشرط الاجتماع مع

__________________

(١) في (ر) ، (ص) و (ه): «الشرع».