درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۵۰: شبهه تحریمیه فقدان نص ۴۳

 

بل إلى الخلود فيه إذا وقع التقصير في مقدّمات تحصيل المعرفة في تلك المسألة ـ ففي هذه المقامات ونحوها يكون التوقّف لازما عقلا وشرعا من باب الإرشاد ، كأوامر الطبيب بترك المضارّ.

إن كان مفسدةٌ اُخرى غير العقاب

وإن كان الهلاك المحتمل مفسدة اخرى غير العقاب ـ سواء كانت (١) دينيّة كصيرورة المكلّف بارتكاب الشبهة أقرب إلى ارتكاب المعصية ، كما دلّ عليه غير واحد من الأخبار المتقدّمة (٢) ، أم دنيويّة كالاحتراز عن (٣) أموال الظلمة ـ فمجرّد احتماله لا يوجب العقاب على فعله لو فرض حرمته واقعا ، والمفروض أنّ الأمر بالتوقّف في هذه الشبهة لا يفيد استحقاق العقاب على مخالفته ؛ لأنّ المفروض كونه للارشاد ، فيكون المقصود منه التخويف عن لحوق غير العقاب من المضارّ المحتملة : فاجتناب هذه الشبهة لا يصير واجبا شرعيّا بمعنى ترتّب العقاب على ارتكابه.

الهلاك المحتمل فيما نحن فيه من قبيل غير العقاب

وما نحن فيه وهي الشبهة الحكميّة التحريميّة من هذا القبيل ؛ لأنّ الهلكة المحتملة فيها لا تكون هي المؤاخذة الاخروية باتّفاق الأخباريّين ؛ لاعترافهم بقبح المؤاخذة على مجرّد مخالفة الحرمة الواقعيّة المجهولة وإن زعموا ثبوت العقاب من جهة بيان التكليف في الشبهة بأوامر التوقّف والاحتياط ، فإذا لم يكن المحتمل فيها هو العقاب الاخروي كان حالها حال الشبهة الموضوعيّة ـ كأموال الظلمة والشبهة الوجوبيّة ـ في أنّه

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «كان».

(٢) المتقدمة في الصفحة ٦٤ ـ ٦٦.

(٣) في (ص) بدل «كالاحتراز عن» : «كارتكاب».

لا يحتمل فيها إلاّ غير العقاب من المضارّ ، والمفروض كون الأمر بالتوقّف فيها للإرشاد والتخويف عن تلك المضرّة المحتملة.

مفاد الأخبار المذكورة

وبالجملة : فمفاد هذه الأخبار بأسرها التحذير عن التهلكة (١) المحتملة ، فلا بدّ من إحراز احتمال التهلكة (٢) عقابا كانت أو غيره ، وعلى تقدير إحراز هذا الاحتمال لا إشكال ولا خلاف في وجوب التحرّز عنه إذا كان المحتمل عقابا ، واستحبابه إذا كان غيره ؛ فهذه الأخبار لا تنفع في إحداث هذا الاحتمال ولا في حكمه.

فإن قلت : إنّ المستفاد منها احتمال التهلكة في كلّ محتمل التكليف ، والمتبادر من التهلكة في الأحكام الشرعيّة الدينيّة هي الاخرويّة ، فتكشف هذه الأخبار عن عدم سقوط عقاب التكاليف المجهولة لأجل الجهل ، ولازم ذلك إيجاب الشارع للاحتياط (٣) ؛ إذ الاقتصار في العقاب على نفس التكاليف المختفية من دون تكليف ظاهريّ بالاحتياط قبيح.

قلت : إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمة للتحرّز عن العقاب الواقعيّ فهو مستلزم لترتّب العقاب على التكليف المجهول ، وهو قبيح كما اعترف به ، وإن كان حكما ظاهريّا نفسيّا فالهلكة الاخروية مترتّبة على مخالفته لا مخالفة الواقع ، وصريح الأخبار إرادة الهلكة الموجودة في الواقع على تقدير الحرمة الواقعيّة.

هذا كلّه ، مضافا إلى دوران الأمر في هذه الأخبار بين حملها على

__________________

(١) في (ر) و (ص): «الهلكة».

(٢) في (ر) ، (ص) و (ظ): «الهلكة».

(٣) في (ر) و (ص): «الاحتياط».