درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۸۶: شبهه تحریمیه فقدان نص ۷۹

 

السادس

اعتراض بعض الأخباريّين على الاصوليّين ومناقشته

حكي عن بعض الأخباريين (١) كلام لا يخلو إيراده عن فائدة ، وهو :

أنّه هل يجوّز أحد أن يقف عبد من عباد الله تعالى ، فيقال له : بما كنت تعمل في الأحكام الشرعيّة؟ فيقول : كنت أعمل بقول المعصوم وأقتفي أثره وما يثبت من المعلوم ، فإن اشتبه عليّ شيء عملت بالاحتياط ، أفيزلّ قدم هذا العبد عن الصراط ، ويقابل بالإهانة والإحباط ، فيؤمر به إلى النار ويحرم مرافقة الأبرار؟ هيهات هيهات! أن يكون أهل التسامح والتساهل في الدين في الجنّة خالدين ، وأهل الاحتياط في النار معذّبين (٢) ، انتهى كلامه.

المناقشة فيما أفادة بعض الأخباريين

أقول : لا يخفى على العوامّ فضلا عن غيرهم : أنّ أحدا لا يقول بحرمة الاحتياط ولا ينكر حسنه وأنّه سبيل النجاة.

وأمّا الإفتاء بوجوب الاحتياط فلا إشكال في أنّه غير مطابق للاحتياط ؛ لاحتمال حرمته ، فإن ثبت وجوب الإفتاء فالأمر يدور بين

__________________

(١) قيل : هو المحدّث الجزائري.

(٢) حكاه الوحيد البهبهاني في الرسائل الاصوليّة : ٣٧٧.

الوجوب والحرمة (١) ، وإلاّ فالاحتياط في ترك الفتوى ، وحينئذ : فيحكم الجاهل بما يحكم به عقله ، فإن التفت إلى قبح العقاب من غير بيان لم يكن عليه بأس في ارتكاب المشتبه ، وإن لم يلتفت إليه واحتمل العقاب كان مجبولا على الالتزام بتركه ، كمن احتمل أنّ فيما يريد سلوكه من الطريق سبعا.

وعلى كلّ تقدير : فلا ينفع قول الأخباريّين له : إنّ العقل يحكم بوجوب الاحتياط من باب وجوب دفع الضرر المحتمل ، ولا قول الاصوليّ له : إنّ العقل يحكم بنفي البأس مع الاشتباه.

وبالجملة : فالمجتهدون لا ينكرون على العامل بالاحتياط. والافتاء بوجوبه من الأخباريّين نظير الافتاء بالبراءة من المجتهدين ، ولا متيقّن من الأمرين في البين ، ومفاسد الالتزام بالاحتياط ليست بأقلّ من مفاسد ارتكاب المشتبه ، كما لا يخفى. فما ذكره هذا الأخباريّ من الإنكار لم يعلم توجّهه إلى أحد ، والله العالم وهو الحاكم.

__________________

(١) كذا في (ت) ، وفي غيرها : «التحريم».

المسألة الثانية

الشبهة التحريميّة من جهة إجمال النصّ

ما إذا كان دوران حكم الفعل بين الحرمة وغير الوجوب

من جهة إجمال النصّ

إمّا بأن يكون اللفظ الدالّ على الحكم مجملا ، كالنهي المجرّد عن القرينة إذا قلنا باشتراكه لفظا بين الحرمة والكراهة.

وإمّا بأن يكون الدالّ على متعلّق الحكم كذلك ، سواء كان الإجمال في وضعه كالغناء إذا قلنا بإجماله ، فيكون المشكوك في كونه غناء محتمل الحرمة ، أم كان الإجمال في المراد منه ، كما إذا شكّ في شمول الخمر للخمر الغير المسكر ولم يكن هناك إطلاق يؤخذ به.

والحكم في ذلك كلّه كما في المسألة الاولى ، والأدلّة المذكورة من الطرفين جارية هنا.

وربما يتوهّم (١) : أنّ الإجمال إذا كان في متعلّق الحكم ـ كالغناء وشرب الخمر الغير المسكر ـ كان ذلك داخلا في الشبهة في طريق الحكم. وهو فاسد.

__________________

(١) المتوهّم هو المحدّث الحرّ العاملي في الفوائد الطوسيّة : ٥١٨ ، وسيأتي نقل كلامه في الصفحة ١٣٠ ـ ١٣٥.