درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹: شبهه تحریمیه فقدان نص ۲

 

الاولى

ما لا نصّ فيه

الشبهة التحريميّة من جهة فقدان النصّ

وقد اختلف فيه على ما يرجع إلى قولين :

أحدهما : إباحة الفعل شرعا وعدم وجوب الاحتياط بالترك.

قولان في المسألة

والثاني : وجوب الترك ، ويعبّر عنه بالاحتياط.

والأوّل منسوب إلى المجتهدين ، والثاني إلى معظم الأخباريّين (١).

وربما نسب إليهم أقوال أربعة : التحريم ظاهرا ، والتحريم واقعا ، والتوقّف ، والاحتياط (٢). ولا يبعد أن يكون تغايرها باعتبار العنوان ، ويحتمل الفرق بينها أو بين (٣) بعضها من وجوه أخر تأتي بعد ذكر أدلّة الأخباريّين (٤).

__________________

(١) انظر القوانين ٢ : ١٦.

(٢) الناسب هو الوحيد البهبهاني ، كما سيأتي في الصفحة ١٠٥ ، وانظر الفصول : ٣٥٢.

(٣) في (ت) و (ر): «وبين».

(٤) انظر الصفحة ١٠٥ ـ ١٠٨.

احتجّ للقول الأوّل بالأدلّة الأربعة :

أدلّة القول بالإباحة وعدم وجوب الاحتياط :

فمن الكتاب آيات :

منها : قوله تعالى : ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها﴾(١).

قيل : دلالتها واضحة (٢).

الاستدلال بآية «ولا يكلّف الله ...» والمناقشة فيه

وفيه : أنّها غير ظاهرة ؛ فإنّ حقيقة الإيتاء الإعطاء ، فإمّا أن يراد بالموصول المال ـ بقرينة قوله تعالى قبل ذلك : ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ﴾(٣) ـ ، فالمعنى : أنّ الله سبحانه لا يكلّف العبد إلاّ دفع ما اعطي من المال.

وإمّا أن يراد نفس فعل الشيء أو تركه ـ بقرينة إيقاع التكليف عليه ـ ، فإعطاؤه كناية عن الإقدار عليه ، فتدلّ على نفي التكليف بغير المقدور ـ كما ذكره الطبرسيّ (٤) قدس‌سره ـ وهذا المعنى أظهر وأشمل ؛ لأنّ الإنفاق من الميسور داخل في «ما آتاه الله».

وكيف كان : فمن المعلوم أنّ ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور ؛ وإلاّ لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين ، وإن نازعت الأشاعرة في إمكانه.

نعم ، لو اريد من الموصول نفس الحكم والتكليف ، كان إيتاؤه

__________________

(١) الطلاق : ٧.

(٢) قاله الفاضل النراقي في المناهج : ٢١٠.

(٣) الطلاق : ٧.

(٤) مجمع البيان ٥ : ٣٠٩.

عبارة عن الإعلام به. لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية ، وإرادة الأعمّ منه ومن المورد تستلزم (١) استعمال الموصول في معنيين ؛ إذ لا جامع بين تعلّق التكليف بنفس الحكم وبالفعل (٢) المحكوم عليه ، فافهم.

نعم ، في رواية عبد الأعلى عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «قال : قلت له : هل كلّف النّاس بالمعرفة؟ قال : لا ، على الله البيان ؛ ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها﴾ ، و ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها﴾» (٣).

لكنّه لا ينفع في المطلب ؛ لأنّ نفس المعرفة بالله غير مقدور قبل تعريف الله سبحانه ، فلا يحتاج دخولها في الآية إلى إرادة الإعلام من الإيتاء ، وسيجيء زيادة توضيح لذلك في ذكر الدليل العقلي إن شاء الله تعالى (٤).

وممّا ذكرنا يظهر حال التمسّك بقوله تعالى : ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها﴾(٥).

الاستدلال بآية «وما كنّا معذّبين ...»

ومنها : قوله تعالى : ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾(٦).

بناء على أنّ بعث الرسول كناية عن بيان التكليف ؛ لأنّه يكون به

__________________

(١) في النسخ : «يستلزم».

(٢) في (ر) و (ه): «والفعل».

(٣) الكافي ١ : ١٦٣ ، باب البيان والتعريف ولزوم الحجة ، الحديث ٥. والآيتان من سورة البقرة : ٢٨٦ ، والطلاق : ٧.

(٤) انظر الصفحة ٥٦.

(٥) البقرة : ٢٨٦.

(٦) الإسراء : ١٥.