درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۵: شبهه تحریمیه فقدان نص ۸

 

المناقشة في الاستدلال

إلاّ أنّ دلالتها موهونة من جهة اخرى ، وهي : أنّ ظاهر الموصول العموم ، فالتوبيخ على الالتزام بترك الشيء مع تفصيل جميع المحرّمات الواقعيّة وعدم كون المتروك منها ، ولا ريب أنّ اللازم من ذلك ، العلم بعدم كون المتروك محرّما واقعيّا ، فالتوبيخ في محلّه.

عدم نهوض الآيات المذكورة لإبطال وجوب الاحتياط

والإنصاف ما ذكرنا : من أنّ الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بوجوب الاحتياط ؛ لأنّ غاية مدلول الدالّ منها هو عدم التكليف فيما لم يعلم خصوصا أو عموما بالعقل أو النقل ، وهذا ممّا لا نزاع فيه لأحد ، وإنّما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجوبه ، فاللازم على منكره ردّ ذلك الدليل أو معارضته بما يدلّ على الرخصة وعدم وجوب الاحتياط في ما لا نصّ فيه ، وأمّا الآيات المذكورة فهي ـ كبعض الأخبار الآتية (١) ـ لا تنهض لذلك (٢) ؛ ضرورة أنّه إذا فرض أنّه ورد بطريق معتبر في نفسه أنّه يجب الاحتياط في كلّ ما يحتمل أن يكون قد حكم الشارع فيه بالحرمة ، لم يكن يعارضه شيء من الآيات المذكورة.

الاستدلال على البراءة بالسنّة :

وأمّا السنّة :

فيذكر منها في المقام أخبار كثيرة :

بحديث «الرفع»

منها : المرويّ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسند صحيح في الخصال (٣) ، كما عن

__________________

(١) انظر الصفحة ٤٢ و ٥٠.

(٢) في (ر) و (ظ): «بذلك».

(٣) الخصال : ٤١٧ ، باب التسعة ، الحديث ٩.

التوحيد (١) : «رفع عن امّتي تسعة (٢) : الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ... الخبر» (٣).

وجه الاستدلال به

فإنّ حرمة شرب التتن ـ مثلا ـ ممّا لا يعلمون ، فهي مرفوعة عنهم ، ومعنى رفعها ـ كرفع الخطأ والنسيان ـ رفع آثارها أو خصوص المؤاخذة ، فهو نظير قوله (٤) عليه‌السلام : «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (٥).

المناقشة في الاستدلال

ويمكن أن يورد عليه : بأنّ الظاهر من الموصول في «ما لا يعلمون» ـ بقرينة أخواتها ـ هو الموضوع ، أعني فعل المكلّف الغير المعلوم ، كالفعل الذي لا يعلم أنّه شرب الخمر أو شرب الخلّ وغير ذلك من الشبهات الموضوعيّة ، فلا يشمل الحكم الغير المعلوم.

مع أنّ تقدير المؤاخذة في الرواية لا يلائم عموم الموصول للموضوع والحكم ؛ لأنّ المقدّر المؤاخذة على نفس هذه المذكورات ، ولا معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة.

نعم ، هي من آثارها ، فلو جعل المقدّر في كلّ من هذه التسعة ما هو المناسب من أثره ، أمكن أن يقال : إنّ أثر حرمة شرب التتن ـ مثلا ـ المؤاخذة على فعله ، فهي مرفوعة.

__________________

(١) كتاب التوحيد للصدوق : ٣٥٣ ، باب الاستطاعة ، الحديث ٢٤.

(٢) كذا في (ر) والمصدر ، وفي غيرهما زيادة : «أشياء».

(٣) الوسائل ١١ : ٢٩٥ ، باب جملة ممّا عفي عنه ، الحديث الأوّل.

(٤) كذا في (ظ) ، (ه) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرها : «فهو كقوله».

(٥) الوسائل ١٨ : ١١٩ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٨.