درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۸۸: شبهه تحریمیه تعارض نصین ۲

 

فقال : انظر ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه وخذ بما خالفهم ؛ فإنّ الحقّ فيما خالفهم.

قلت : ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين ، فكيف نصنع؟

قال : فخذ بما فيه الحائطة لدينك ، واترك ما خالف الاحتياط.

فقلت : إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان ، فكيف أصنع؟

الجواب عن المرفوعة

قال : إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر ... الحديث» (١).

وهذه الرواية وإن كانت أخصّ من أخبار التخيير ، إلاّ أنّها ضعيفة السند ، وقد طعن صاحب الحدائق فيها وفي كتاب العوالي وصاحبه ، فقال :

إنّ الرواية المذكورة لم نقف عليها في غير كتاب العوالي ، مع ما هي عليها من الإرسال ، وما عليه الكتاب المذكور : من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار والإهمال ، وخلط غثّها بسمينها وصحيحها بسقيمها ، كما لا يخفى على من لاحظ الكتاب المذكور (٢) ، انتهى.

ثمّ إذا لم نقل بوجوب الاحتياط ، ففي كون أصل البراءة مرجّحا لما يوافقه ، أو كون الحكم الوقف ، أو التساقط والرجوع إلى الأصل ، أو التخيير بين الخبرين في أوّل الأمر أو دائما ، وجوه ليس هنا محلّ

__________________

(١) كذا في النسخ ، ولكن ليست للحديث تتمّة. انظر عوالي اللآلي ٤ : ١٣٣ ، الحديث ٢٢٩ ، والمستدرك ١٧ : ٣٠٣ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢.

(٢) الحدائق ١ : ٩٩.

ذكرها ؛ فإنّ المقصود هنا نفي وجوب الاحتياط ، والله العالم.

تعارض «المقرّر والناقل» ، و «المبيح والحاظر»

بقي هنا شيء ، وهو :

أنّ الاصوليّين عنونوا في باب التراجيح الخلاف في تقديم الخبر الموافق للأصل على المخالف (١) ، ونسب تقديم المخالف ـ وهو المسمّى بالناقل ـ إلى أكثر الاصوليّين (٢) بل إلى جمهورهم (٣) ، منهم العلاّمة قدس‌سره (٤). وعنونوا أيضا مسألة تقديم الخبر الدالّ على الإباحة على (٥) الدالّ على الحظر والخلاف فيه (٦) ، ونسب تقديم الحاظر على المبيح إلى المشهور (٧) ، بل يظهر من المحكيّ عن بعضهم عدم الخلاف في ذلك (٨). والخلاف في المسألة الاولى ينافي الوفاق في الثانية.

كما أنّ قول الأكثر فيهما مخالف لما يشاهد : من عمل علمائنا على عدم تقديم المخالف للأصل ، بل التخيير أو الرجوع إلى الأصل الذي هو وجوب الاحتياط عند الأخباريّين والبراءة عند المجتهدين حتّى العلاّمة ،

__________________

(١) انظر المعارج : ١٥٦ ، والمعالم : ٢٥٣ ، والفصول : ٤٤٥ ، ومفاتيح الاصول : ٧٠٥.

(٢) انظر نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٨.

(٣) انظر غاية البادئ (مخطوط) : ٢٨٩.

(٤) انظر مبادئ الوصول : ٢٣٧ ، وتهذيب الوصول : ٩٩.

(٥) في (ص) زيادة : «الخبر».

(٦) انظر المعارج : ١٥٧ ، ومفاتيح الاصول : ٧٠٨.

(٧) كما في غاية المأمول (مخطوط) : الورقة ٢٢٠.

(٨) لعلّ المقصود ما حكاه السيّد المجاهد عن غاية المأمول ، انظر مفاتيح الاصول : ٧٠٨.

مضافا إلى ذهاب جماعة من أصحابنا في المسألتين إلى التخيير (١).

الفرق بين المسألتين

ويمكن أن يقال : إنّ مرادهم من الأصل في مسألة الناقل والمقرّر أصالة البراءة من الوجوب لا أصالة الإباحة ، فيفارق (٢) مسألة تعارض المبيح والحاظر.

و (٣) إنّ حكم أصحابنا بالتخيير أو الاحتياط لأجل الأخبار الواردة ، لا لمقتضى نفس مدلولي الخبرين من حيث هما ، فيفارق المسألتين.

لكن هذا الوجه قد يأباه مقتضى أدلّتهم ، فلاحظ وتأمّل.

__________________

(١) انظر مفاتيح الاصول : ٧٠٥ و ٧٠٨.

(٢) في (ت) و (ص) ومحتمل (ه): «فتفارق».

(٣) في (ر) ، (ص) و (ظ): «أو».