درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹۰: شبهه تحریمیه موضوعیه ۲

 

وبالجملة : فهذه الأمثلة الثلاثة بملاحظة الأصل الأوّليّ محكومة بالحرمة ، والحكم بحلّيتها إنّما هو من حيث الأصل الموضوعي الثانويّ ، فالحلّ غير مستند إلى أصالة الإباحة في شيء منها.

هذا ، ولكن في (١) الأخبار المتقدّمة بل جميع الأدلّة المتقدّمة من الكتاب والعقل كفاية ، مع أنّ صدرها وذيلها ظاهران في المدّعى.

توهّم عدم جريان قبح التكليف من غير بيان في المسألة والجواب عنه

وتوهّم : عدم جريان قبح التكليف بلا بيان هنا ؛ نظرا إلى أنّ الشارع بيّن حكم الخمر ـ مثلا ـ فيجب حينئذ اجتناب كلّ ما يحتمل كونه خمرا ـ من باب المقدّمة العلميّة ـ ؛ فالعقل لا يقبّح العقاب خصوصا على تقدير مصادفة الحرام.

مدفوع : بأنّ النهي عن الخمر يوجب حرمة الأفراد المعلومة تفصيلا والمعلومة إجمالا المتردّدة بين محصورين (٢) ، والأوّل لا يحتاج إلى مقدّمة علميّة ، والثاني يتوقّف على الاجتناب من أطراف الشبهة لا غير ، وأمّا ما احتمل كونه خمرا من دون علم إجماليّ فلم يعلم من النهي تحريمه ، وليس مقدّمة للعلم باجتناب فرد محرّم يحسن العقاب عليه.

فلا فرق بعد فرض عدم العلم بحرمته ولا بتحريم خمر يتوقّف العلم باجتنابه على اجتنابه ، بين هذا الفرد المشتبه وبين الموضوع الكلّي المشتبه حكمه ـ كشرب التتن ـ في قبح العقاب عليه.

__________________

(١) في (ص) زيادة : «باقي».

(٢) كذا في (ه) وفي غيرها : محصور.

وما ذكر من التوهّم جار فيه أيضا ؛ لأنّ العمومات الدالّة على حرمة الخبائث (١) والفواحش (٢) و ﴿ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(٣) تدلّ على حرمة امور واقعيّة يحتمل كون شرب التتن منها.

ومنشأ التوهّم المذكور : ملاحظة تعلّق الحكم بكليّ مردّد بين مقدار معلوم وبين أكثر منه ، فيتخيّل أنّ الترديد في المكلّف به مع العلم بالتكليف ، فيجب الاحتياط.

ونظير هذا التوهّم قد وقع في الشبهة الوجوبيّة ، حيث تخيّل بعض (٤) : أنّ دوران ما فات من الصلوات (٥) بين الأقلّ والأكثر موجب للاحتياط من باب وجوب المقدّمة العلميّة.

وقد عرفت ، وسيأتي اندفاعه (٦).

فإن قلت : إنّ الضرر محتمل في هذا الفرد المشتبه ـ لاحتمال كونه محرّما ـ فيجب دفعه.

قلنا : إن اريد بالضرر العقاب وما يجري مجراه من الامور الاخرويّة ، فهو مأمون بحكم العقل بقبح العقاب من غير بيان.

وإن اريد ما لا يدفع العقل ترتّبه من غير بيان ـ كما في

__________________

(١) آل عمران : ١٥٧.

(٢) آل عمران : ٣٣.

(٣) الحشر : ٧.

(٤) سيأتي ذكرهم في الصفحة ١٧٠.

(٥) في (ر) و (ظ): «الصلاة».

(٦) انظر الصفحة ١٦٩ ـ ١٧٠.