درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹۱: شبهه تحریمیه موضوعیه ۳

 

وما ذكر من التوهّم جار فيه أيضا ؛ لأنّ العمومات الدالّة على حرمة الخبائث (١) والفواحش (٢) و ﴿ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(٣) تدلّ على حرمة امور واقعيّة يحتمل كون شرب التتن منها.

ومنشأ التوهّم المذكور : ملاحظة تعلّق الحكم بكليّ مردّد بين مقدار معلوم وبين أكثر منه ، فيتخيّل أنّ الترديد في المكلّف به مع العلم بالتكليف ، فيجب الاحتياط.

ونظير هذا التوهّم قد وقع في الشبهة الوجوبيّة ، حيث تخيّل بعض (٤) : أنّ دوران ما فات من الصلوات (٥) بين الأقلّ والأكثر موجب للاحتياط من باب وجوب المقدّمة العلميّة.

وقد عرفت ، وسيأتي اندفاعه (٦).

فإن قلت : إنّ الضرر محتمل في هذا الفرد المشتبه ـ لاحتمال كونه محرّما ـ فيجب دفعه.

قلنا : إن اريد بالضرر العقاب وما يجري مجراه من الامور الاخرويّة ، فهو مأمون بحكم العقل بقبح العقاب من غير بيان.

وإن اريد ما لا يدفع العقل ترتّبه من غير بيان ـ كما في

__________________

(١) آل عمران : ١٥٧.

(٢) آل عمران : ٣٣.

(٣) الحشر : ٧.

(٤) سيأتي ذكرهم في الصفحة ١٧٠.

(٥) في (ر) و (ظ): «الصلاة».

(٦) انظر الصفحة ١٦٩ ـ ١٧٠.

المضارّ الدنيويّة ـ فوجوب دفعه عقلا لو سلّم ، كما تقدّم من الشيخ وجماعة (١) ، لم يسلّم وجوبه شرعا ؛ لأنّ الشارع صرّح بحلّية ما (٢) لم يعلم حرمته ، فلا عقاب عليه ؛ كيف وقد يحكم الشرع بجواز ارتكاب الضرر القطعيّ الغير المتعلّق بأمر المعاد ، كما هو المفروض في الضرر المحتمل في المقام؟

تقرير التوهّم بوجه آخر والجواب عنه أيضا

فإن قيل : نختار ـ أوّلا ـ احتمال الضرر المتعلّق بامور الآخرة ، والعقل لا يدفع ترتّبه من دون بيان ؛ لاحتمال المصلحة في عدم البيان ووكول الأمر إلى ما يقتضيه العقل ، كما صرّح (٣) في العدّة (٤) في جواب ما ذكره القائلون بأصالة الإباحة : من أنّه لو كان هناك في الفعل مضرّة آجلة لبيّنها.

وثانيا : نختار المضرّة الدنيويّة ، وتحريمه ثابت شرعا ؛ لقوله تعالى : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾(٥) ، كما استدلّ به الشيخ أيضا في العدّة (٦) على دفع أصالة الإباحة ، وهذا الدليل ومثله رافع للحلّية الثابتة بقولهم عليهم‌السلام : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» (٧).

__________________

(١) راجع الصفحة ٩٠.

(٢) في (ر) و (ص): «كلّما».

(٣) في (ر) زيادة : «به».

(٤) العدّة ٢ : ٧٤٢ ـ ٧٤٣.

(٥) البقرة : ١٩٥.

(٦) لم نعثر عليه في العدّة.

(٧) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.