درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹۲: شبهه تحریمیه موضوعیه ۴

 

المضارّ الدنيويّة ـ فوجوب دفعه عقلا لو سلّم ، كما تقدّم من الشيخ وجماعة (١) ، لم يسلّم وجوبه شرعا ؛ لأنّ الشارع صرّح بحلّية ما (٢) لم يعلم حرمته ، فلا عقاب عليه ؛ كيف وقد يحكم الشرع بجواز ارتكاب الضرر القطعيّ الغير المتعلّق بأمر المعاد ، كما هو المفروض في الضرر المحتمل في المقام؟

تقرير التوهّم بوجه آخر والجواب عنه أيضا

فإن قيل : نختار ـ أوّلا ـ احتمال الضرر المتعلّق بامور الآخرة ، والعقل لا يدفع ترتّبه من دون بيان ؛ لاحتمال المصلحة في عدم البيان ووكول الأمر إلى ما يقتضيه العقل ، كما صرّح (٣) في العدّة (٤) في جواب ما ذكره القائلون بأصالة الإباحة : من أنّه لو كان هناك في الفعل مضرّة آجلة لبيّنها.

وثانيا : نختار المضرّة الدنيويّة ، وتحريمه ثابت شرعا ؛ لقوله تعالى : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾(٥) ، كما استدلّ به الشيخ أيضا في العدّة (٦) على دفع أصالة الإباحة ، وهذا الدليل ومثله رافع للحلّية الثابتة بقولهم عليهم‌السلام : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» (٧).

__________________

(١) راجع الصفحة ٩٠.

(٢) في (ر) و (ص): «كلّما».

(٣) في (ر) زيادة : «به».

(٤) العدّة ٢ : ٧٤٢ ـ ٧٤٣.

(٥) البقرة : ١٩٥.

(٦) لم نعثر عليه في العدّة.

(٧) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

الجواب عن هذا الوجه أيضا

قلت : لو سلّمنا احتمال المصلحة في عدم بيان الضرر الاخرويّ ، إلاّ أنّ قولهم عليهم‌السلام : «كلّ شيء لك حلال» بيان لعدم الضرر الاخرويّ.

وأمّا الضرر الغير الاخرويّ ، فوجوب دفع المشكوك منه ممنوع ، وآية «التهلكة» مختصّة بمظنّة الهلاك ، وقد صرّح الفقهاء (١) في باب المسافر : بأنّ سلوك الطريق الذي يظنّ معه العطب معصية ، دون مطلق ما يحتمل فيه ذلك. وكذا في باب التيمّم (٢) والإفطار (٣) لم يرخّصوا إلاّ مع ظنّ الضرر الموجب لحرمة العبادة دون الشكّ.

نعم ، ذكر قليل من متأخّري المتأخّرين (٤) انسحاب حكم الإفطار والتيمّم مع الشكّ أيضا ، لكن لا من جهة حرمة ارتكاب مشكوك الضرر ، بل لدعوى تعلّق الحكم في الأدلّة بخوف الضرر الصادق ، مع الشكّ ، بل مع (٥) بعض أفراد الوهم أيضا.

لكنّ الإنصاف : إلزام العقل بدفع الضرر المشكوك فيه كالحكم

__________________

(١) انظر الذكرى (الطبعة الحجريّة) : ٢٥٨ ، والروض : ٣٨٨ ، والذخيرة : ٤٠٩ ، وكشف الغطاء : ٢٧٢.

(٢) انظر المنتهى ٣ : ٣٤ ، والمدارك ٢ : ١٩٤ ، ومستند الشيعة ٣ : ٣٨٠.

(٣) انظر الشرائع ١ : ٢١٠ ، والمدارك ٦ : ٢٨٥.

(٤) كالمحدّث البحراني في الحدائق ١٣ : ١٧١ ، والسيّد الطباطبائي في الرياض ١ : ٣٢٩ ، والفاضل النراقي في المستند ١٠ : ٣٧٥ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ٥ : ١١٠ ، و ١٦ : ٣٤٦.

(٥) لم ترد «مع» في (ت) ، (ظ) و (ه).