درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹۶: شبهه تحریمیه موضوعیه ۸

 

حيث أحلّه الله» (١).

ومبنى الوجهين : أنّ إباحة التصرّف هي المحتاجة إلى السبب ، فيحرم مع عدمه ولو بالأصل. و (٢) أنّ حرمة التصرّف محمولة في الأدلّة على ملك الغير ، فمع عدم تملّك الغير ـ ولو بالأصل ـ ينتفي الحرمة.

ومن قبيل ما لا يجري فيه أصالة الاباحة : اللحم المردّد بين المذكّى والميتة ؛ فإنّ أصالة عدم التذكية ـ المقتضية للحرمة والنجاسة ـ حاكمة على أصالتي الإباحة والطهارة.

وربما يتخيّل خلاف ذلك : تارة لعدم حجّية استصحاب عدم التذكية (٣) ، واخرى لمعارضة أصالة عدم التذكية بأصالة عدم الموت ، والحرمة والنجاسة من أحكام الميتة (٤).

والأوّل مبنيّ على عدم حجّية الاستصحاب ولو في الامور العدميّة.

والثاني مدفوع :

أوّلا : بأنّه يكفي في الحكم بالحرمة عدم التذكية ولو بالأصل ، ولا يتوقّف على ثبوت الموت حتّى ينتفي بانتفائه ولو بحكم الأصل ؛ والدليل عليه : استثناء ﴿ما ذَكَّيْتُمْ﴾ من قوله ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾(٥) ، فلم يبح الشارع إلاّ ما ذكّي ، وإناطة إباحة الأكل بما ذكر اسم الله عليه

__________________

(١) الوسائل ٦ : ٣٧٥ ، الباب ٣ من أبواب الأنفال ، الحديث ٢.

(٢) في (ظ) و (ه): «أو».

(٣) هذا الوجه للسيّد العاملي في المدارك ٢ : ٣٨٧.

(٤) هذا الوجه للسيّد الصدر في شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦٥.

(٥) المائدة : ٣.

وغيره من الامور الوجوديّة المعتبرة في التذكية ، فإذا انتفى بعضها ـ ولو بحكم الأصل ـ انتفت الإباحة.

وثانيا : أنّ الميتة عبارة عن غير المذكّى ؛ إذ ليست الميتة خصوص ما مات حتف أنفه ، بل كلّ زهاق روح انتفى فيه شرط من شروط التذكية فهي ميتة شرعا. وتمام الكلام في الفقه (١).

__________________

(١) قد عنون الفقهاء هذه المسألة في مواضع عديدة ، منها : كتاب الصيد والذباحة ، ومنها : كتاب الطهارة في مسألة الجلد المطروح.

الثاني

كلمات المحدّث العاملي في الفرق بين الشبهة في نفس الحكم وبين الشبهة في طريقه والمناقشة فيها

أنّ الشيخ الحرّ أورد في بعض كلماته اعتراضا على معاشر الأخباريّين ، وحاصله : أنّه ما الفرق بين الشبهة في نفس الحكم وبين الشبهة في طريقه ، حيث أوجبتم الاحتياط في الأوّل دون الثاني؟

وأجاب بما لفظه :

أنّ حدّ الشبهة في الحكم ما اشتبه حكمه الشرعيّ أعني الإباحة والتحريم ، كمن شكّ في أكل الميتة أنّه حلال أو حرام ، وحدّ الشبهة في طريق الحكم الشرعيّ ما اشتبه فيه موضوع الحكم مع كون محموله معلوما ، كما في اشتباه اللحم الذي يشترى من السوق لا يعلم أنّه مذكّى أو ميتة ، مع العلم بأنّ المذكّى حلال والميتة حرام.

ويستفاد هذا التقسيم من أحاديث الأئمة عليهم‌السلام ومن وجوه عقليّة مؤيّدة لتلك الأحاديث ، ويأتي بعضها.

وقسم متردّد بين القسمين ، وهي الأفراد التي ليست بظاهرة الفرديّة لبعض الأنواع ، وليس اشتباهها بسبب شيء من الامور الدنيويّة كاختلاط الحلال بالحرام ، بل اشتباهها بسبب أمر ذاتيّ أعني اشتباه صنفها في نفسها ، كبعض أفراد الغناء الذي قد ثبت تحريم نوعه واشتبه

أنواعه في أفراد يسيرة ، وبعض أفراد الخبائث الذي قد ثبت تحريم نوعه واشتبه بعض أفراده حتّى اختلف العقلاء فيها ، ومنها شرب التتن. وهذا النوع يظهر من الأخبار دخوله في الشبهات التي ورد الأمر باجتنابها.

وهذه التفاصيل تستفاد من مجموع الأحاديث ، ونذكر ممّا يدلّ على ذلك وجوها :

منها : قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال» (١) ، فهذا وأشباهه صادق على الشبهة في طريق الحكم.

إلى أن قال :

وإذا حصل الشكّ في تحريم الميتة لم يصدق عليها أنّ فيها حلالا وحراما (٢).

أقول : كأنّ مطلبه أنّ هذه الرواية وأمثالها مخصّصة لعموم ما دلّ على وجوب التوقّف والاحتياط في مطلق الشبهة ؛ وإلاّ فجريان أصالة الإباحة في الشبهة الموضوعيّة لا ينفي جريانها في الشبهة الحكمية.

مع أنّ سياق أخبار التوقّف والاحتياط يأبى عن التخصيص ؛ من حيث اشتمالها على العلّة العقليّة لحسن التوقّف والاحتياط ـ أعني الحذر من الوقوع في الحرام والهلكة ـ فحملها على الاستحباب أولى.

ثمّ قال :

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل.

(٢) الفوائد الطوسيّة : ٥١٨ ـ ٥١٩ ، وما اخترناه من النسخ وأثبتناه أقرب إلى المصدر.