درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹۷: شبهه تحریمیه موضوعیه ۹

 

الثاني

كلمات المحدّث العاملي في الفرق بين الشبهة في نفس الحكم وبين الشبهة في طريقه والمناقشة فيها

أنّ الشيخ الحرّ أورد في بعض كلماته اعتراضا على معاشر الأخباريّين ، وحاصله : أنّه ما الفرق بين الشبهة في نفس الحكم وبين الشبهة في طريقه ، حيث أوجبتم الاحتياط في الأوّل دون الثاني؟

وأجاب بما لفظه :

أنّ حدّ الشبهة في الحكم ما اشتبه حكمه الشرعيّ أعني الإباحة والتحريم ، كمن شكّ في أكل الميتة أنّه حلال أو حرام ، وحدّ الشبهة في طريق الحكم الشرعيّ ما اشتبه فيه موضوع الحكم مع كون محموله معلوما ، كما في اشتباه اللحم الذي يشترى من السوق لا يعلم أنّه مذكّى أو ميتة ، مع العلم بأنّ المذكّى حلال والميتة حرام.

ويستفاد هذا التقسيم من أحاديث الأئمة عليهم‌السلام ومن وجوه عقليّة مؤيّدة لتلك الأحاديث ، ويأتي بعضها.

وقسم متردّد بين القسمين ، وهي الأفراد التي ليست بظاهرة الفرديّة لبعض الأنواع ، وليس اشتباهها بسبب شيء من الامور الدنيويّة كاختلاط الحلال بالحرام ، بل اشتباهها بسبب أمر ذاتيّ أعني اشتباه صنفها في نفسها ، كبعض أفراد الغناء الذي قد ثبت تحريم نوعه واشتبه

أنواعه في أفراد يسيرة ، وبعض أفراد الخبائث الذي قد ثبت تحريم نوعه واشتبه بعض أفراده حتّى اختلف العقلاء فيها ، ومنها شرب التتن. وهذا النوع يظهر من الأخبار دخوله في الشبهات التي ورد الأمر باجتنابها.

وهذه التفاصيل تستفاد من مجموع الأحاديث ، ونذكر ممّا يدلّ على ذلك وجوها :

منها : قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال» (١) ، فهذا وأشباهه صادق على الشبهة في طريق الحكم.

إلى أن قال :

وإذا حصل الشكّ في تحريم الميتة لم يصدق عليها أنّ فيها حلالا وحراما (٢).

أقول : كأنّ مطلبه أنّ هذه الرواية وأمثالها مخصّصة لعموم ما دلّ على وجوب التوقّف والاحتياط في مطلق الشبهة ؛ وإلاّ فجريان أصالة الإباحة في الشبهة الموضوعيّة لا ينفي جريانها في الشبهة الحكمية.

مع أنّ سياق أخبار التوقّف والاحتياط يأبى عن التخصيص ؛ من حيث اشتمالها على العلّة العقليّة لحسن التوقّف والاحتياط ـ أعني الحذر من الوقوع في الحرام والهلكة ـ فحملها على الاستحباب أولى.

ثمّ قال :

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل.

(٢) الفوائد الطوسيّة : ٥١٨ ـ ٥١٩ ، وما اخترناه من النسخ وأثبتناه أقرب إلى المصدر.

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات» (١) ، وهذا إنّما ينطبق على الشبهة في نفس الحكم ؛ وإلاّ لم يكن الحلال البيّن ولا الحرام البيّن ، ولا يعلم أحدهما من الآخر إلاّ علاّم الغيوب ، وهذا ظاهر واضح (٢).

أقول : فيه ـ مضافا إلى ما ذكرنا ، من إباء سياق الخبر عن التخصيص ـ : أنّ رواية التثليث ـ التي هي العمدة من أدلّتهم ـ ظاهرة في حصر ما يبتلي به المكلّف من الأفعال في ثلاثة ، فإن كانت عامّة للشبهة الموضوعيّة أيضا صحّ الحصر ، وإن اختصّت بالشبهة الحكميّة كان الفرد الخارجيّ المردّد بين الحلال والحرام قسما رابعا ؛ لأنّه ليس حلالا بيّنا ولا حراما بيّنا ولا مشتبه الحكم.

ولو استشهد بما قبل النبويّ (٣) ، من قول الصادق عليه‌السلام : «إنّما الامور ثلاثة» ، كان ذلك أظهر في الاختصاص بالشبهة الحكميّة ؛ إذ المحصور في هذه الفقرة الامور التي يرجع فيها إلى بيان الشارع ، فلا يرد إخلاله بكون الفرد الخارجيّ المشتبه أمرا رابعا للثلاثة.

وأمّا ما ذكره من المانع لشمول النبويّ للشبهة الموضوعيّة : من أنّه لا يعلم الحلال من الحرام إلاّ علاّم الغيوب ، ففيه :

أنّه إن اريد عدم وجودهما ، ففيه ما لا يخفى. وإن اريد ندرتهما ،

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١١٤ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٩.

(٢) الفوائد الطوسيّة : ٥١٩.

(٣) أي : النبويّ المذكور في أوّل هذه الصفحة : «حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات».