درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۶۸: شبهه تحریمیه فقدان نص ۶۱

 

هؤلاء ، فإذا لم يتّق الشّبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه» (١).

الدليل العقلي على وجوب الاحتياط من وجهين :

وأمّا العقل ، فتقريره بوجهين :

أحدهما :

١ ـ العلم الإجمالي بوجود محرّمات كثيرة

أنّا نعلم إجمالا قبل مراجعة الأدلّة الشرعيّة بمحرّمات كثيرة يجب ـ بمقتضى قوله تعالى : ﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(٢) ونحوه ـ الخروج عن عهدة تركها على وجه اليقين بالاجتناب أو اليقين بعدم العقاب ؛ لأنّ الاشتغال اليقينيّ يستدعي اليقين بالبراءة (٣) باتّفاق المجتهدين والأخباريّين ، وبعد مراجعة الأدلّة والعمل بها لا يقطع بالخروج عن جميع تلك المحرّمات الواقعيّة ، فلا بدّ من اجتناب كلّ ما احتمل (٤) أن يكون منها إذا لم يكن هناك دليل شرعيّ يدلّ على حلّيته ؛ إذ مع هذا الدليل يقطع بعدم العقاب على الفعل على تقدير حرمته واقعا.

فإن قلت : بعد مراجعة الأدلّة نعلم تفصيلا بحرمة امور كثيرة ، ولا نعلم إجمالا بوجود ما عداها ، فالاشتغال بما عدا المعلوم بالتفصيل غير متيقّن حتّى يجب الاحتياط. وبعبارة اخرى : العلم الإجماليّ قبل الرجوع إلى الأدلّة ، وأمّا بعده فليس هنا علم إجماليّ.

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١١٨ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٥.

(٢) الحشر : ٧.

(٣) في (ظ): «يستدعي البراءة» ، وفي (ر) و (ص): «يستدعي البراءة اليقينيّة».

(٤) في (ر) و (ص): «يحتمل».

قلت : إن اريد من الأدلّة ما يوجب العلم بالحكم الواقعيّ الأوّليّ ، فكلّ مراجع في الفقه يعلم أنّ ذلك غير ميسّر ؛ لأنّ سند الأخبار لو فرض قطعيّا لكن دلالتها ظنّيّة. وإن اريد منها ما يعمّ الدليل الظنّي المعتبر من الشارع فمراجعتها لا توجب (١) اليقين بالبراءة من ذلك التكليف المعلوم إجمالا ؛ إذ ليس معنى اعتبار الدليل الظنّي إلاّ وجوب الأخذ بمضمونه ، فإن كان تحريما صار ذلك كأنّه أحد المحرّمات الواقعيّة ، وإن كان تحليلا كان اللازم منه عدم العقاب على فعله وإن كان في الواقع من المحرّمات ، وهذا المعنى لا يوجب انحصار المحرّمات الواقعيّة في مضامين تلك الأدلّة حتّى يحصل العلم بالبراءة بموافقتها ، بل ولا يحصل الظنّ بالبراءة عن جميع المحرّمات المعلومة إجمالا.

وليس الظنّ التفصيليّ بحرمة جملة من الأفعال كالعلم التفصيليّ بها ؛ لأنّ العلم التفصيليّ بنفسه مناف لذلك العلم الإجماليّ ، والظنّ غير مناف له ، لا بنفسه ولا بملاحظة اعتباره شرعا على الوجه المذكور.

نعم ، لو اعتبر الشارع هذه الأدلّة بحيث انقلب التكليف إلى العمل بمؤدّاها بحيث يكون هو المكلّف به ، كان ما عدا ما تضمّنه الأدلّة من محتملات التحريم خارجا عن المكلّف به ، فلا يجب الاحتياط فيها.

وبالجملة : فما نحن فيه بمنزلة قطيع غنم يعلم إجمالا بوجود محرّمات فيها ، ثمّ قامت البيّنة على تحريم جملة منها وتحليل جملة وبقي الشكّ في جملة ثالثة ؛ فإنّ مجرّد قيام البيّنة على تحريم البعض لا يوجب

__________________

(١) في النسخ : «لا يوجب».

العلم ولا الظنّ بالبراءة من جميع المحرّمات.

نعم ، لو اعتبر الشارع البيّنة في المقام ، بمعنى أنّه أمر بتشخيص المحرّمات المعلومة وجودا وعدما بهذا الطريق ، رجع التكليف إلى وجوب اجتناب ما قامت (١) عليه البيّنة ، لا الحرام الواقعيّ.

والجواب عن هذا الوجه

والجواب : أوّلا : منع تعلّق تكليف غير القادر على تحصيل العلم إلاّ بما أدّى إليه الطرق الغير العلميّة المنصوبة له ، فهو مكلّف بالواقع بحسب تأدية هذه الطرق ، لا بالواقع من حيث هو ، ولا بمؤدّى هذه الطرق من حيث هو حتّى يلزم التصويب أو ما يشبهه ؛ لأنّ ما ذكرناه هو المتحصّل من ثبوت الأحكام الواقعيّة للعالم وغيره وثبوت التكليف بالعمل بالطرق ، وتوضيحه في محلّه ، وحينئذ : فلا يكون ما شكّ في تحريمه ممّا هو مكلّف به فعلا على تقدير حرمته واقعا.

وثانيا : سلّمنا التكليف الفعليّ بالمحرّمات الواقعيّة ، إلاّ أنّ من المقرّر في الشبهة المحصورة ـ كما سيجيء (٢) إن شاء الله تعالى ـ أنّه إذا ثبت في المشتبهات (٣) المحصورة وجوب الاجتناب عن جملة منها لدليل آخر غير التكليف المتعلّق بالمعلوم الإجماليّ ، اقتصر في الاجتناب على ذلك القدر ؛ لاحتمال كون المعلوم الإجماليّ هو هذا المقدار المعلوم حرمته تفصيلا ، فأصالة الحلّ في البعض الآخر غير معارضة بالمثل ، سواء كان

__________________

(١) في النسخ : «قام».

(٢) انظر الصفحة ٢٣٣.

(٣) كذا في (ه) ، وفي (ت) ، (ر) و (ص): «الشبهات».