درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۲۳: شبهه وجوبیه موضوعیه ۳

 

كلام العلّامة في التذكرة

قال في التذكرة : لو فاتته صلوات معلومة العين غير معلومة العدد ، صلّى من تلك الصلوات إلى أن يغلب في ظنّه الوفاء ؛ لاشتغال الذمّة بالفائت ، فلا يحصل البراءة قطعا إلاّ بذلك. ولو كانت واحدة ولم يعلم العدد ، صلّى تلك الصلاة مكرّرا حتّى يظنّ الوفاء.

ثمّ احتمل في المسألة احتمالين آخرين : أحدهما : تحصيل العلم ؛ لعدم البراءة إلاّ باليقين ، والثاني : الأخذ بالقدر المعلوم ؛ لأنّ الظاهر أنّ المسلم لا يفوّت الصلاة. ثمّ نسب كلا الوجهين إلى الشافعيّة (١) ، انتهى.

وحكي هذا الكلام ـ بعينه ـ عن النهاية (٢) ، وصرّح الشهيدان (٣) بوجوب تحصيل العلم مع الإمكان ، وصرّح في الرياض (٤) بأنّ مقتضى الأصل القضاء حتّى يحصل العلم بالوفاء ؛ تحصيلا للبراءة اليقينيّة. وقد سبقهم في هذا الاستدلال الشيخ قدس‌سره في التهذيب ، حيث قال :

كلام الشيخ في التهذيب

أمّا ما يدلّ على أنّه يجب أن يكثر منها ، فهو ما ثبت أنّ قضاء الفرائض واجب ، وإذا ثبت وجوبها ولا يمكنه أن يتخلّص من ذلك إلاّ بأن يستكثر منها ، وجب (٥) ، انتهى.

المورد من موارد جريان أصالة البراءة

وقد عرفت (٦) : أنّ المورد من موارد جريان أصالة البراءة والأخذ

__________________

(١) التذكرة ٢ : ٣٦١.

(٢) نهاية الإحكام ١ : ٣٢٥.

(٣) انظر الذكرى ٢ : ٤٣٧ ـ ٤٣٨ ، والمقاصد العليّة : ٢١٧.

(٤) الرياض ٤ : ٢٨٩.

(٥) التهذيب ٢ : ١٩٨.

(٦) راجع الصفحة ١٦٩ ـ ١٧٠.

بالأقلّ عند دوران الأمر بينه وبين الأكثر ، كما لو شكّ في مقدار الدين الذي يجب قضاؤه ، أو في أنّ الفائت منه صلاة العصر فقط أو هي مع الظهر ، فإنّ الظاهر عدم إفتائهم بلزوم قضاء الظهر ، وكذا لو تردّد في ما فات عن أبويه أو في ما تحمّله بالإجارة بين الأقلّ والأكثر.

وربما يظهر عن بعض المحقّقين (١) : الفرق بين هذه الأمثلة وبين ما نحن فيه ؛ حيث حكي عنه (٢) ـ في ردّ صاحب الذخيرة القائل بأنّ مقتضى القاعدة في المقام الرجوع إلى البراءة (٣) ـ أنّه (٤) قال :

كلام السيّد بحر العلوم في عدم جريان أصالة البراءة في المسألة

إنّ المكلّف حين علم بالفوائت صار مكلّفا بقضاء هذه الفائتة قطعا ، وكذلك الحال في الفائتة الثانية والثالثة وهكذا ، ومجرّد عروض النسيان كيف يرفع الحكم الثابت من الإطلاقات والاستصحاب ، بل الإجماع أيضا؟ وأيّ شخص يحصل منه التأمّل في أنّه إلى ما قبل صدور النسيان كان مكلّفا ، وبمجرّد عروض النسيان يرتفع التكليف الثابت؟ وإن أنكر حجّية الاستصحاب فهو يسلّم أنّ الشغل اليقينيّ يستدعي البراءة اليقينيّة.

إلى أن قال :

نعم ، في الصورة التي يحصل للمكلّف علم إجماليّ باشتغال ذمّته بفوائت متعدّدة يعلم قطعا تعدّدها لكن لا يعلم مقدارها ، فإنّه يمكن

__________________

(١) هو السيّد بحر العلوم في المصابيح ، كما سيأتي.

(٢) الحاكي عنه هو السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٣ : ٤٠٨ ـ ٤٠٩.

(٣) انظر الذخيرة : ٣٨٤.

(٤) «أنّه» من (ت) و (ه).

حينئذ أن يقال : لا نسلّم تحقّق الشغل بأزيد من المقدار الذي تيقّنه.

إلى أن قال :

والحاصل : أنّ المكلّف إذا حصّل القطع باشتغال ذمّته بمتعدّد والتبس عليه ذلك كمّا ، وأمكنه الخروج عن عهدته ، فالأمر كما أفتى به الأصحاب ، وإن لم يحصّل ذلك ، بأن يكون ما علم به خصوص اثنتين أو ثلاث وأمّا أزيد من ذلك فلا ، بل احتمال احتمله ، فالأمر كما ذكره في الذخيرة. ومن هنا : لو لم يعلم أصلا بمتعدّد في فائتة وعلم أنّ صلاة صبح يومه فاتت ، وأمّا غيرها فلا يعلم ولا يظنّ فوته أصلا ، فليس عليه إلاّ الفريضة الواحدة دون المحتمل ؛ لكونه شكّا بعد خروج الوقت ، والمنصوص أنّه ليس عليه قضاؤها (١) ، بل لعلّه المفتى به (٢) ، انتهى كلامه رفع مقامه.

مناقشة كلام السيّد بحر العلوم قدس‌سره

ويظهر النظر فيه ممّا ذكرناه سابقا (٣) ، ولا يحضرني الآن حكم لأصحابنا بوجوب الاحتياط في نظير المقام ، بل الظاهر منهم إجراء أصل (٤) البراءة في أمثال ما نحن فيه ممّا لا يحصى.

توجيه فتوى المشهور

وربما يوجّه الحكم فيما نحن فيه : بأنّ الأصل عدم الإتيان بالصلاة الواجبة ، فيترتّب عليه وجوب القضاء إلاّ في صلاة علم الإتيان بها في وقتها.

__________________

(١) انظر الكافي ٣ : ٢٩٤ ، الحديث ١٠.

(٢) لم نعثر عليه في كتاب الصلاة من المصابيح (مخطوط).

(٣) راجع الصفحة ١٦٩ ـ ١٧٠.

(٤) «أصل» من (ت) و (ه).