درس بدایة الحکمة

جلسه ۳۲: جنس و فصل و ماده و صورت

 

وهي التي تعرضها الكلية في الذهن ، فتقبل الانطباق على كثيرين ، وهي موجودة في الخارج لوجود قسمين من أقسامها ، أعني المخلوطة والمطلقة فيه ، والمقسم محفوظ في أقسامه موجود بوجودها.

والموجود منها في كل فرد ، غير الموجود منها في فرد آخر بالعدد ، ولو كان واحدا موجودا بوحدته في جميع الأفراد ، لكان الواحد كثيرا بعينه وهو محال ، وكان الواحد بالعدد متصفا بصفات متقابلة وهو محال.

الفصل الثالث

في معنى الذاتي والعرضي

المعاني المعتبرة في الماهيات المأخوذة في حدودها ، وهي التي ترتفع الماهية بارتفاعها تسمى الذاتيات ، وما وراء ذلك عرضيات محمولة ، فإن توقف انتزاعها وحملها على انضمام ، سميت محمولات بالضميمة ، كانتزاع الحار وحملها ، على الجسم من انضمام الحرارة إليه ، وإلا فالخارج المحمول كالعالي والسافل.

والذاتي يميز من غيره بوجوه من خواصه ، منها أن الذاتيات بينة ، لا تحتاج في ثبوتها لذي الذاتي إلى وسط ، ومنها أنها غنية عن السبب ، بمعنى أنها لا تحتاج إلى سبب وراء سبب ذي الذاتي ، فعله وجود الماهية بعينها علة أجزائها الذاتية.

ومنها أن الأجزاء الذاتية متقدمة على ذي الذاتي.

والإشكال في تقدم الأجزاء على الكل ، بأن الأجزاء هي الكل بعينه فكيف تتقدم على نفسها ، مندفع بأن الاعتبار مختلف ، فالأجزاء بالأسر متقدمة ، على الأجزاء بوصف الاجتماع والكلية ، على أنها إنما

سميت أجزاء ، لكون الواحد منها جزءا من الحد ، وإلا فالواحد منها عين الكل أعني ذي الذاتي.

الفصل الرابع

في الجنس والفصل والنوع وبعض ما يلحق بذلك

الماهية التامة التي لها آثار خاصة حقيقية ، من حيث تمامها تسمى نوعا كالإنسان والفرس.

ثم إنا نجد بعض المعاني الذاتية التي في الأنواع ، يشترك فيه أكثر من نوع واحد ، كالحيوان المشترك بين الإنسان والفرس وغيرهما ، كما أن فيها ما يختص بنوع كالناطق المختص بالإنسان ، ويسمى المشترك فيه جنسا والمختص فصلا ، وينقسم الجنس والفصل إلى قريب وبعيد ، وأيضا ينقسم الجنس والنوع إلى عال ومتوسط وسافل ، وقد فصل ذلك في المنطق ، ثم إنا إذا أخذنا ماهية الحيوان مثلا ، وهي مشترك فيها أكثر من نوع ، وعقلناها بأنها جسم نام حساس متحرك بالإرادة ، جاز أن نعقلها وحدها ، بحيث يكون كل ما يقارنها من المفاهيم ، زائدا عليها خارجا من ذاتها ، وتكون هي مباينة للمجموع غير محمولة عليه ، كما أنها غير محمولة على المقارن الزائد ، كانت الماهية المفروضة ، مادة بالنسبة إلى ما يقارنها وعلة مادية للمجموع ، وجاز أن نعقلها مقيسة إلى عدة من الأنواع ، كان نعقل ماهية الحيوان بأنها ، الحيوان الذي هو إما إنسان ، وإما فرس وإما بقر وإما غنم ، فتكون ماهية ناقصة غير محصلة ، حتى ينضم إليها فصل أحد تلك الأنواع ، فيحصلها نوعا تاما فتكون هي ذلك النوع بعينه ، وتسمى الماهية المأخوذة بهذا الاعتبار ، جنسا والذي يحصله فصلا.

__________________

(١) في الفصل الرابع من المرحلة السادسة.

والاعتباران في الجزء المشترك ، جاريان بعينهما في الجزء المختص ، ويسمى بالاعتبار الأول صورة ، ويكون جزءا لا يحمل على الكل ولا على الجزء الآخر ، وبالاعتبار الثاني فصلا يحصل الجنس ، ويتمم النوع ويحمل عليه حملا أوليا.

ويظهر مما تقدم أولا أن الجنس هو النوع مبهما ، وأن الفصل هو النوع محصلا ، والنوع هو الماهية التامة ، من غير نظر إلى إبهام أو تحصيل.

وثانيا أن كلا من الجنس والفصل ، محمول على النوع حملا أوليا ، وأما النسبة بينهما أنفسهما ، فالجنس عرض عام بالنسبة إلى الفصل ، والفصل خاصة بالنسبة إليه.

وثالثا أن من الممتنع أن يتحقق جنسان في مرتبة واحدة ، وكذا فصلان في مرتبة واحدة لنوع ، لاستلزام ذلك كون نوع واحد نوعين.

ورابعا أن الجنس والمادة متحدان ذاتا ، مختلفان اعتبارا ، فالمادة إذا أخذت لا بشرط كانت جنسا ، كما أن الجنس إذا أخذ بشرط لا كان مادة ، وكذا الصورة فصل إذا أخذت لا بشرط ، كما أن الفصل صورة إذا أخذ بشرط لا.

واعلم أن المادة في الجواهر المادية ، موجودة في الخارج على ما سيأتي ، وأما الأعراض فهي بسيطة غير مركبة في الخارج ، ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز ، وإنما العقل يجد فيها مشتركات ومختصات ، فيعتبرها أجناسا وفصولا ، ثم يعتبرها بشرط لا فتصير مواد وصورا عقلية.