درس بدایة الحکمة

جلسه ۳۴: احکام فصل و نوع

 

الفصل الخامس

في بعض أحكام الفصل

ينقسم الفصل نوع انقسام إلى المنطقي والاشتقاقي.

فالفصل المنطقي هو أخص اللوازم ، التي تعرض النوع وأعرفها ، وهو إنما يؤخذ ويوضع في الحدود ، مكان الفصول الحقيقية لصعوبة الحصول غالبا ، على الفصل الحقيقي الذي يقوم النوع ، كالناطق للإنسان والصاهل للفرس ، فإن المراد بالنطق مثلا ، إما النطق بمعنى التكلم وهو من الكيفيات المسموعة ، وإما النطق بمعنى إدراك الكليات ، وهو عندهم من الكيفيات النفسانية ، والكيفية كيفما كانت من الأعراض ، والعرض لا يقوم الجوهر وكذا الصهيل ، ولذا ربما كان أخص اللوازم أكثر من واحد ، فتوضع جميعا موضع الفصل الحقيقي ، كما يؤخذ الحساس ، والمتحرك بالإرادة جميعا فصلا للحيوان ، ولو كان فصلا حقيقيا لم يكن إلا واحدا كما تقدم (١).

والفصل الاشتقاقي مبدأ الفصل المنطقي ، وهو الفصل الحقيقي المقوم للنوع ، ككون الإنسان ذا نفس ناطقة في الإنسان ، وكون الفرس ذا نفس صاهلة في الفرس.

ثم إن حقيقة النوع هي فصله الأخير ، وذلك لأن الفصل المقوم هو محصل نوعه ، فما أخذ في أجناسه وفصوله الآخر ، على نحو الإبهام مأخوذ فيه على وجه التحصل.

ويتفرع عليه أن هذية النوع به ، فنوعية النوع محفوظة به ولو تبدل بعض

__________________

(١) في الفصل السابق.

أجناسه ، وكذا لو تجردت صورته ، التي هي الفصل بشرط لا عن المادة ، التي هي الجنس بشرط لا بقي النوع على حقيقة نوعيته ، كما لو تجردت النفس الناطقة عن البدن.

ثم إن الفصل غير مندرج تحت جنسه ، بمعنى أن الجنس غير مأخوذ في حده ، وإلا احتاج إلى فصل يقومه ، وننقل الكلام إليه ويتسلسل بترتب فصول غير متناهية.

الفصل السادس

في النوع وبعض أحكامه

الماهية النوعية توجد أجزاؤها في الخارج بوجود واحد ، لأن الحمل بين كل منها وبين النوع أولي ، والنوع موجود بوجود واحد ، وأما في الذهن فهي متغايرة بالإبهام والتحصل ، ولذلك كان كل من الجنس والفصل ، عرضيا للآخر زائدا عليه كما تقدم (١).

ومن هنا ما ذكروا ، أنه لا بد في المركبات الحقيقية ، أي الأنواع المادية المؤلفة من مادة وصورة ، أن يكون بين أجزائها فقر وحاجة ، من بعضها إلى بعض حتى ترتبط وتتحد حقيقة واحدة ، وقد عدوا المسألة ضرورية لا تفتقر إلى برهان.

ويمتاز المركب الحقيقي من غيره بالوحدة الحقيقية ، وذلك بأن يحصل من تألف الجزئين مثلا أمر ثالث ، غير كل واحد منهما ، له آثار خاصة غير آثارهما الخاصة ، كالأمور المعدنية التي لها آثار خاصة ، غير آثار عناصرها ، لا

__________________

(١) في الفصل الرابع.

كالعسكر المركب من أفراد ، والبيت المؤلف من اللبن والجص وغيرهما.

ومن هنا أيضا ، يترجح القول بأن التركيب ، بين المادة والصورة اتحادي لا انضمامي كما سيأتي(١).

ثم إن من الماهيات النوعية ما هي كثيرة الأفراد ، كالأنواع التي لها تعلق ما بالمادة مثل الإنسان ، ومنها ما هو منحصر في فرد ، كالأنواع المجردة تجردا تاما من العقول ، وذلك لأن كثرة أفراد النوع إما أن تكون تمام ماهية النوع ، أو بعضها أو لازمة لها ، وعلى جميع هذه التقادير لا يتحقق لها فرد ، لوجوب الكثرة في كل ما صدقت عليه ، ولا كثرة إلا مع الآحاد هذا خلف ، وإما أن تكون لعرض مفارق ، يتحقق بانضمامه وعدم انضمامه الكثرة ، ومن الواجب حينئذ أن يكون في النوع ، إمكان العروض والانضمام ، ولا يتحقق ذلك إلا بمادة كما سيأتي (٢) ، فكل نوع كثير الأفراد فهو مادي ، وينعكس إلى أن ما لا مادة له ، وهو النوع المجرد ليس بكثير الأفراد ، وهو المطلوب.

الفصل السابع

في الكلي والجزئي ونحو وجودهما

ربما ظن أن الكلية والجزئية إنما هما في نحو الإدراك ، فالإدراك الحسي لقوته يدرك الشيء بنحو ، يمتاز من غيره مطلقا ، والإدراك العقلي لضعفه يدركه بنحو لا يمتاز مطلقا ، ويقبل الانطباق على أكثر من واحد ، كالشبح المرئي من

__________________

(١) في الفصل السادس من المرحلة السادسة.

(٢) في الفصل الرابع من المرحلة السادسة.