درس بدایة الحکمة

جلسه ۴۳: اثبات عقل و مبحث کم

 

الجواهر المادية ، ليس بالكون والفساد وبطلان صورة وحدوث أخرى ، بل الصور المتبدلة موجودة بوجود واحد ، سيال يتحرك الجوهر المادي فيه ، وكل واحد منها حد من حدود هذه الحركة الجوهرية ، فهي موجودة متصلة واحدة بالخصوص ، وإن كانت وحدة مبهمة ، تناسب إبهام ذات المادة التي هي قوة محضة ، وقولنا إن صورة ما واحدة بالعموم ، شريكة العلة للمادة ، إنما هو باعتبار ما يطرأ عليها من الكثرة بالانقسام.

الفصل الثامن

النفس والعقل موجودان

أما النفس ، وهي الجوهر المجرد من المادة ذاتا ، المتعلق بها فعلا ، فلما نجد في النفوس الإنسانية من خاصة العلم وسيأتي ، في مرحلة العاقل والمعقول (١) ، أن الصور العلمية مجردة من المادة ، موجودة للعالم حاضرة عنده ، ولو لا تجرد العالم ، بتنزهه عن القوة ومحوضته في الفعلية ، لم يكن معنى لحضور شيء عنده ، فالنفس الإنسانية العاقلة مجردة من المادة ، وهي جوهر لكونها صورة لنوع جوهري ، وصورة الجوهر جوهر على ما تقدم (٢).

وأما العقل فلما سيأتي (٣) ، أن النفس في مرتبة العقل الهيولاني ، أمر بالقوة بالنسبة إلى الصور المعقولة لها ، فالذي يفيض عليها الفعلية فيها ، يمتنع أن يكون نفسها وهي بالقوة ، ولا أي أمر مادي مفروض ، فمفيضها جوهر مجرد ، منزه عن القوة والإمكان وهو العقل.

__________________

(١) في الفصل الأول والثاني من المرحلة الحادي عشرة.

(٢) في الفصل الثاني.

(٣) في فصل الخامس من المرحلة الحادية عشرة.

وأيضا تقدم أن مفيض الفعلية للأنواع المادية ، بجعل المادة والصورة واستحفاظ المادة بالصورة ، عقل مجرد فالمطلوب ثابت.

وعلى وجودهما براهين كثيرة آخر ستأتي الإشارة إلى بعضها.

خاتمة

، من خواص الجوهر أنه لا تضاد فيه ، لأن من شرط التضاد تحقق موضوع يعتوره الضدان ، ولا موضوع للجوهر.

الفصل التاسع

في الكم وانقساماته وخواصه

الكم عرض يقبل القسمة الوهمية (١) بالذات ، وقد قسموه قسمة أولية إلى المتصل والمنفصل.

والمتصل ما يمكن أن يفرض فيه أجزاء بينها حد مشترك ، والحد المشترك ما إن اعتبر بداية لأحد الجزءين ، أمكن أن يعتبر بداية للآخر ، وإن اعتبر نهاية لأحدهما أمكن أن يعتبر نهاية للآخر ، كالنقطة بين جزئي الخط والخط بين جزئي السطح ، والسطح بين جزئي الجسم التعليمي ، والان بين جزئي الزمان.

والمنفصل ما كان بخلافه كالخمسة مثلا ، فإنها إن قسمت إلى ثلاثة واثنين ، لم يوجد فيها حد مشترك ، وإلا فإن كان واحدا منها عادت الخمسة أربعة ، وإن كان واحدا من خارج عادت ستة هذا خلف.

__________________

(١) واما القسمة الخارجية ، فهي تعدم الكم وتفنيه ـ منه.

الثاني أعني المنفصل ، هو العدد الحاصل من تكرر الواحد ، وإن كان الواحد نفسه ليس بعدد ، لعدم صدق حد الكم عليه ، وقد عدوا كل واحدة من مراتب العدد نوعا على حدة ، لاختلاف الخواص.

والأول أعني المتصل ينقسم إلى قار وغير قار ، والقار ما لأجزائه المفروضة اجتماع في الوجود ، كالخط مثلا ، وغير القار بخلافه وهو الزمان ، فإن كل جزء منه مفروض ، لا يوجد إلا وقد انصرم السابق عليه ، ولما يوجد الجزء اللاحق.

والمتصل القار على ثلاثة أقسام ، جسم تعليمي وهو الكمية السارية في الجهات الثلاث ، من الجسم الطبيعي المنقسمة فيها ، وسطح وهو نهاية الجسم التعليمي المنقسمة في جهتين ، وخط وهو نهاية السطح المنقسمة في جهة واحدة.

وللقائلين بالخلاء ، بمعنى الفضاء الخالي من كل موجود شاغل يملؤه ، شك في الكم المتصل القار ، لكن الشأن في إثبات الخلاء بهذا المعنى.

تتمة

يختص الكم بخواص ، الأولى أنه لا تضاد بين شيء من أنواعه ، لعدم اشتراكها في الموضوع ، والاشتراك في الموضوع من شرط التضاد.

الثانية قبول القسمة الوهمية بالفعل كما تقدم.

الثالثة وجود ما يعده ، أي يفنيه بإسقاطه منه مرة بعد مرة ، فالكم المنفصل وهو العدد مبدؤه الواحد ، وهو عاد لجميع أنواعه ، مع أن بعض أنواعه عاد لبعض ، كالإثنين للأربعة والثلاثة للتسعة ، والكم المتصل منقسم ذو أجزاء فالجزء منه يعد الكل.

الرابعة المساواة واللا مساواة ، وهما خاصتان للكم وتعرضان غيره