درس بدایة الحکمة

جلسه ۵۵: علت صوریه و مادیه و علت جسمانی

 

ولو جاز لنا أن نرتاب ، في ارتباط غايات الأفعال بفواعلها ، مع ما ذكر من دوام الترتب ، جاز لنا أن نرتاب في ارتباط الأفعال ، بفواعلها وتوقف الحوادث والأمور على علة فاعلية ، إذ ليس هناك إلا ملازمة وجودية وترتب دائمي ، ومن هنا ما أنكر كثير من القائلين بالاتفاق ، العلة الفاعلية كما أنكر العلة الغائية ، وحصر العلية في العلة المادية ، وستجيء (١) الإشارة إليه.

فقد تبين من جميع ما تقدم ، أن الغايات النادرة الوجود المعدودة من الاتفاق ، غايات دائمية ذاتية لعللها ، وإنما تنسب إلى غيرها بالعرض ، فالحافر لأرض تحتها كنز يعثر على الكنز دائما ، وهو غاية له بالذات ، وإنما تنسب إلى الحافر للوصول إلى الماء بالعرض ، وكذا البيت الذي اجتمعت عليه أسباب الانهدام ، ينهدم على من فيه دائما ، وهو غاية للمتوقف فيه بالذات ، وإنما عدت غاية للمستظل بالعرض ، فالقول بالاتفاق من الجهل بالسبب.

الفصل العاشر

في العلة الصورية والمادية

أما العلة الصورية فهي الصورة ، بمعنى ما به الشيء هو هو بالفعل ، بالنسبة إلى النوع المركب منها ومن المادة ، فإن لوجود النوع توقفا عليها بالضرورة ، وأما بالنسبة إلى المادة ، فهي صورة وشريكة العلة الفاعلية على ما تقدم (٢) ، وقد تطلق الصورة على معان أخر خارجة من غرضنا.

وأما العلة المادية فهي المادة ، بالنسبة إلى النوع المركب منها ومن الصورة ، فإن لوجود النوع توقفا عليها بالضرورة ، وأما بالنسبة إلى الصورة فهي ،

__________________

(١) في الفصل الآتي.

(٢) في الفصل السابع من المرحلة السادسة.

مادة قابلة معلولة لها على ما تقدم.

وقد حصر قوم من الطبيعيين العلة في المادة ، والأصول المتقدمة ترده ، فإن المادة سواء كانت الأولى أو الثانية ، حيثيتها القوة ولازمها الفقدان ، ومن الضروري أنه لا يكفي ، لإعطاء فعلية النوع وإيجادها ، فلا يبقى للفعلية إلا أن توجد من غير علة وهو محال.

وأيضا قد تقدم أن الشيء ما لم يجب لم يوجد ، والوجوب الذي هو الضرورة واللزوم ، لا مجال لاستناده إلى المادة ، التي حيثيتها القبول والإمكان ، فوراء المادة أمر يوجب الشيء ويوجده ، ولو انتفت رابطة التلازم ، التي إنما تتحقق بين العلة والمعلول ، أو بين معلولي علة ثالثة وارتفعت من بين الأشياء ، بطل الحكم باستتباع أي شيء لأي شيء ، ولم يجز الاستناد إلى حكم ثابت ، وهو خلاف الضرورة العقلية ، وللمادة معان أخر غير ما تقدم خارجة من غرضنا.

الفصل الحادي عشر

في العلة الجسمانية

العلل الجسمانية متناهية أثرا ، من حيث العدة والمدة والشدة ، قالوا لأن الأنواع الجسمانية ، متحركة بالحركة الجوهرية ، فالطبائع والقوى التي لها ، منحلة منقسمة إلى حدود وأبعاض ، كل منها محفوف بالعدمين محدود ذاتا وأثرا.

وأيضا العلل الجسمانية لا تفعل ، إلا مع وضع خاص بينها وبين المادة ، قالوا لأنها لما احتاجت في وجودها إلى المادة ، احتاجت في إيجادها إليها ، والحاجة إليها في الإيجاد هي ، بأن يحصل لها بسببها وضع خاص مع المعلول ، ولذلك كان للقرب والبعد والأوضاع الخاصة ، دخل في تأثير العلل الجسمانية.