درس بدایة الحکمة

جلسه ۸۲: تقسیم علم و مجرد بودن آن

 

ومن العلم علم الواحد منا بذاته ، التي يشير إليها بأنا ، فإنه لا يغفل عن نفسه في حال من الأحوال ، سواء في ذلك الخلاء والملاء ، والنوم واليقظة وأية حال أخرى.

وليس ذلك بحضور ماهية ذاتنا ، عندنا حضورا مفهوميا وعلما حصوليا ، لأن المفهوم الحاضر في الذهن ، كيفما فرض لا يأبى الصدق على كثيرين ، وإنما يتشخص بالوجود الخارجي ، وهذا الذي نشاهده من أنفسنا ونعبر عنه بأنا ، أمر شخصي لذاته لا يقبل الشركة ، والتشخص شأن الوجود ، فعلمنا بذواتنا إنما هو بحضورها لنا بوجودها الخارجي ، الذي هو ، ملاك الشخصية وترتب الآثار ، وهذا قسم آخر من العلم ، ويسمى العلم الحضوري.

وهذان قسمان ينقسم إليهما العلم قسمة حاصرة ، فإن حصول المعلوم للعالم ، إما بماهيته أو بوجوده ، والأول هو العلم الحصولي ، والثاني هو العلم الحضوري.

ثم إن كون العلم حاصلا لنا ، معناه حصول المعلوم لنا ، لأن العلم عين المعلوم بالذات ، إذ لا نعني بالعلم إلا حصول المعلوم لنا ، وحصول الشيء وحضوره ليس إلا وجوده ، ووجوده نفسه.

ولا معنى لحصول المعلوم للعالم ، إلا اتحاد العالم معه ، سواء كان معلوما حضوريا أو حصوليا ، فإن المعلوم الحضوري ، إن كان جوهرا قائما بنفسه كان وجوده لنفسه ، وهو مع ذلك للعالم ، فقد اتحد العالم مع نفسه ، وإن كان أمرا وجوده لموضوعه ، والمفروض أن وجوده للعالم ، فقد اتحد العالم مع موضوعه ، والعرض أيضا ، من مراتب وجود موضوعه غير خارج منه ، فكذلك مع ما اتحد مع موضوعه ، وكذا المعلوم الحصولي موجود للعالم ، سواء كان جوهرا موجودا لنفسه ، أو أمرا موجودا لغيره ، ولازم كونه موجودا للعالم اتحاد العالم معه.

على أنه سيجيء ، أن العلم الحصولي علم حضوري في الحقيقة.

فحصول العلم للعالم من خواص العلم ، لكن لا كل حصول كيف كان ، بل حصول أمر بالفعل فعلية محضة ، لا قوة فيه لشيء مطلقا ، فإنا نشاهد بالوجدان ، أن المعلوم من حيث هو معلوم ، لا يقوى على شيء آخر ، ولا يقبل التغير عما هو عليه ، فهو حصول أمر مجرد عن المادة خال من غواشي القوة ، ونسمي ذلك حضورا.

فحضور المعلوم يستدعي كونه أمرا تاما في فعليته ، من غير تعلق بالمادة والقوة ، يوجب نقصه وعدم تمامه ، من حيث كمالاته التي بالقوة.

ومقتضى حضور المعلوم ، أن يكون العالم الذي يحصل له العلم ، أمرا فعليا تام الفعلية ، غير ناقص من جهة التعلق بالقوة ، وهو كون العالم مجردا عن المادة خاليا عن القوة.

فقد بان أن العلم حضور موجود ، مجرد لموجود مجرد ، سواء كان الحاصل عين ما حصل له ، كما في علم الشيء بنفسه أو غيره بوجه ، كما في علم الشيء بالماهيات الخارجة عنه.

وتبين أيضا أولا أن المعلوم ، الذي هو متعلق العلم ، يجب أن يكون أمرا مجردا عن المادة ، وسيجيء (١) معنى تعلق العلم بالأمور المادية.

وثانيا أن العالم الذي يقوم به العلم ، يجب أن يكون مجردا عن المادة أيضا.

الفصل الثاني

ينقسم العلم الحصولي إلى كلي وجزئي

والكلي ما لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين ، كالعلم بماهية الإنسان

__________________

(١) في الفصل الثاني.

ويسمى عقلا وتعقلا ، والجزئي ما يمتنع فرض صدقه على كثيرين ، كالعلم بهذا الإنسان ، بنوع من الاتصال بمادته الحاضرة ، ويسمى علما إحساسيا ، وكالعلم بالإنسان الفرد من غير حضور مادته ، ويسمى علما خياليا ، وعد هذين القسمين ممتنع الصدق على كثيرين ، إنما هو من جهة اتصال أدوات الإحساس ، بالمعلوم الخارجي في العلم الإحساسي ، وتوقف العلم الخيالي على العلم الإحساسي ، وإلا فالصورة الذهنية كيفما فرضت ، لا تأبى أن تصدق على كثيرين.

والقسمان جميعا مجردان عن المادة لما تقدم (١) ، من فعلية الصورة العلمية ، في ذاتها وعدم قبولها للتغير.

وأيضا الصورة العلمية كيفما فرضت ، لا تمتنع عن الصدق على كثيرين ، وكل أمر مادي متشخص ، ممتنع الصدق على أزيد من شخص واحد.

وأيضا لو كانت الصورة الحسية أو الخيالية مادية ، منطبعة بنوع من الانطباع في جزء بدني ، لكانت منقسمة بانقسام محلها ، ولكان في مكان وزمان وليس كذلك ، فالعلم لا يقبل القسمة ، ولا يشار إليه إشارة وضعية مكانية ، ولا أنه مقيد بزمان ، لصحة تصورنا الصورة المحسوسة في وقت ، بعد أمد بعيد على ما كانت عليه ، من غير تغير فيها ، ولو كانت مقيدة بالزمان لتغيرت بتقضيه.

وما يتوهم من مقارنة حصول العلم للزمان ، إنما هو مقارنة شرائط حصول الاستعداد له ، لا نفس العلم.

وأما توسط أدوات الحس في حصول الصورة المحسوسة ، وتوقف الصورة الخيالية على ذلك ، فإنما هو لحصول الاستعداد الخاص للنفس ، لتقوى به على تمثيل الصورة العلمية ، وتفصيل القول في علم النفس ، ومما تقدم يظهر أن قولهم ،

__________________

(١) في الفصل السابق.