درس بدایة الحکمة

جلسه ۸۶: خالق صور علمیه و تقسیم علم به تصور و تصدیق

 

هيولانيا ، لشباهته في خلوه عن المعقولات الهيولى ، في كونها بالقوة بالنسبة إلى جميع الصور ، وثانيتها العقل بالملكة ، وهي المرتبة التي تعقل فيها الأمور البديهية ، من التصورات والتصديقات ، فإن تعلق العلم بالبديهيات ، أقدم من تعلقه بالنظريات.

وثالثتها العقل بالفعل ، وهو تعلقه النظريات بتوسيط البديهيات ، وإن كانت مرتبة بعضها على بعض.

ورابعتها عقله لجيمع ما استفاده ، من المعقولات البديهية والنظرية ، المطابقة لحقائق العالم العلوى والسفلى ، باستحضاره الجميع والتفاته إليها بالفعل ، فيكون عالما علميا مضاهيا للعالم العيني ، ويسمى العقل المستفاد.

الفصل السادس

في مفيض هذه الصور العلمية

أما الصور العقلية الكلية فإن مفيضها ، المخرج للإنسان مثلا من القوة إلى الفعل ، عقل مفارق للمادة ، عنده جميع الصور العقلية الكلية ، وذلك أنك قد عرفت أن هذه الصور ، بما أنها علم مجردة عن المادة ، على أنها كلية تقبل الاشتراك بين كثيرين ، وكل أمر حال في المادة ، واحد شخصي لا يقبل الاشتراك ، فالصورة العقلية مجردة عن المادة ، ففاعلها المفيض لها أمر مجرد عن المادة ، لأن الأمر المادي ضعيف الوجود ، فلا يصدر عنه ما هو أقوى منه وجودا ، على أن فعل المادة مشروط بالوضع الخاص ، ولا وضع للمجرد.

وليس هذا المفيض المجرد هو النفس ، العاقلة لهذه الصور المجردة العلمية ،

لأنها بعد بالقوة بالنسبة إليها ، وحيثيتها حيثية القبول دون الفعل ، ومن المحال أن يخرج ما بالقوة ، نفسه من القوة إلى الفعل.

فمفيض الصورة العقلية جوهر عقلي مفارق للمادة ، فيه جميع الصور العقلية الكلية ، على نحو ما تقدم من العلم الإجمالي العقلي ، تتحد معه النفس المستعدة للتعقل ، على قدر استعدادها الخاص ، فيفيض عليها ما تستعد له ، من الصور العقلية وهو المطلوب.

وبنظير البيان السابق يتبين ، أن مفيض الصور العليمة الجزئية ، جوهر مثالي مفارق ، فيه جميع الصور المثالية الجزئية ، على نحو العلم الإجمالي ، تتحد معه النفس على قدر ما لها من الاستعداد.

الفصل السابع

ينقسم العلم الحصولي إلى تصور وتصديق

لأنه إما صورة حاصلة من معلوم واحد أو كثير ، من غير إيجاب أو سلب ، ويسمى تصورا ، كتصور الإنسان والجسم والجوهر ، وإما صورة حاصلة من معلوم معها ، إيجاب شيء لشيء أو سلب شيء عن شيء ، كقولنا الإنسان ضاحك وقولنا ليس الإنسان بحجر ، ويسمى تصديقا ، وباعتبار حكمه قضية.

ثم إن القضية بما تشتمل ، على إثبات شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء ، مركبة من أجزاء فوق الواحد.

والمشهور أن القضية الموجبة مؤلفة ، من الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية ، وهي نسبة المحمول إلى الموضوع ، والحكم باتحاد الموضوع مع المحمول ، هذا في الهليات المركبة ، التي محمولاتها غير وجود الموضوع ، وأما

الهليات البسيطة التي محمولها وجود الموضوع ، كقولنا الإنسان موجود ، فأجزاؤها ثلاثة ، الموضوع والمحمول والحكم إذ لا معنى لتخلل النسبة ، وهي الوجود الرابط بين الشيء ونفسه.

وأن القضية السالبة مؤلفة ، من الموضوع والمحمول ، والنسبة الحكمية الإيجابية ولا حكم فيها ، لا أن فيها حكما عدميا ، لأن الحكم جعل شيء شيئا ، وسلب الحكم عدم جعله لا جعل عدمه.

والحق أن الحاجة إلى تصور النسبة الحكمية ، إنما هي من جهة الحكم ، بما هو فعل النفس لا بما هو جزء القضية ، أي إن القضية إنما ، هي الموضوع والمحمول والحكم ، ولا حاجة في تحقق القضية ، بما هي قضية إلى تصور النسبة الحكمية ، وإنما الحاجة إلى تصورها ، لتحقق الحكم من النفس ، وجعلها الموضوع هو المحمول ، ويدل على ذلك ، تحقق القضية في الهليات البسيطة ، بدون النسبة الحكمية التي تربط المحمول بالموضوع.

فقد تبين بهذا البيان ، أولا أن القضية الموجبة ذات أجزاء ثلاثة ، الموضوع والمحمول والحكم ، والسالبة ذات جزءين الموضوع والمحمول ، وأن النسبة الحكمية ، تحتاج إليها النفس في فعلها الحكم ، لا القضية بما هي قضية في انعقادها.

وثانيا أن الحكم فعل من النفس ، في ظرف الإدراك الذهني ، وليس من الانفعال التصوري في شيء ، وحقيقة الحكم في قولنا زيد قائم مثلا ، أن النفس تنال من طريق الحس موجودا واحدا ، هو زيد القائم ثم تجزئه إلى مفهومي زيد ، والقائم وتخزنهما عندها ، ثم إذا أرادت حكاية ما وجدته في الخارج ، أخذت صورتي زيد والقائم من خزانتها ، وهما اثنتان ثم جعلتهما واحدا ذا وجود واحد ، وهذا هو الحكم الذي ذكرنا ، أنه فعل للنفس تحكى به الخارج على ما كان.

فالحكم فعل للنفس ، وهو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما