درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۰۲: عقول طولیه و عرضیه

 

إلى مادة قابلة ، فكل ماهية كثيرة الأفراد فهي مادية ، وينعكس عكس النقيض ، إلى أن كل ماهية غير مادية ، وهي المجردة وجودا ، لا تتكثر تكثرا إفراديا وهو المطلوب.

نعم تمكن الكثرة الأفرادية في العقل المفارق ، فيما لو استكملت أفراد من نوع مادي كالإنسان ، بالحركة الجوهرية من مرحلة المادية والإمكان ، إلى مرحلة التجرد والفعلية ، فتستصحب التميز الفردي ، الذي كان لها عند كونها مادية.

ثم إنه ، لما استحالت الكثرة الأفرادية في العقل المفارق ، فلو كانت فيه كثرة فهي الكثرة النوعية ، بأن توجد منه أنواع متباينة ، كل نوع منها منحصر في فرد ، ويتصور ذلك على أحد وجهين ، إما طولا وإما عرضا والكثرة طولا ، أن يوجد هناك عقل ثم عقل إلى عدد معين ، كل سابق منها علة فاعلة للاحقه مباين له نوعا ، والكثرة عرضا ، أن يوجد هناك أنواع كثيرة متباينة ، ليس بعضها علة لبعض ولا معلولا ، وهي جميعا معلولات عقل واحد فوقها.

الفصل الحادي عشر

في العقول الطولية وأول ما يصدر منها

لما كان الواجب تعالى ، واحدا بسيطا من جميع الجهات ، امتنع أن يصدر منه الكثير ، سواء كان الصادر مجردا كالعقول العرضية ، أو ماديا كالأنواع المادية ، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، فأول صادر منه تعالى عقل واحد ، يحاكي بوجوده الواحد الظلي ، وجود الواجب تعالى في وحدته.

ولما كان معنى أوليته هو تقدمه في الوجود ، على غيره من الوجودات الممكنة ، وهو العلية ، كان علة متوسطة بينه تعالى ، وبين سائر الصوادر منه ، فهو الواسطة في صدور ما دونه ، ما ليس في ذلك تحديد القدرة المطلقة الواجبية ،

التي هي عين الذات المتعالية ، على ما تقدم (١) البرهان عليها ، وذلك لأن صدور الكثير من حيث هو كثير ، من الواحد من حيث هو واحد ممتنع ، على ما تقدم (٢) ، والقدرة لا تتعلق إلا بالممكن ، وأما المحالات الذاتية الباطلة الذوات ، كسلب الشيء عن نفسه ، والجمع بين النقيضين ورفعهما مثلا ، فلا ذات لها حتى تتعلق بها القدرة ، فحرمانها من الوجود ، ليس تحديدا للقدرة وتقييدا لإطلاقها.

ثم إن العقل الأول ، وإن كان واحدا في وجوده بسيطا في صدوره ، لكنه لمكان إمكانه ، تلزمه ماهية اعتبارية غير أصيلة ، لأن موضوع الإمكان هي الماهية ، ومن وجه آخر ، هو يعقل ذاته ويعقل الواجب تعالى ، فيتعدد فيه الجهة ، ويمكن أن يكون لذلك مصدرا ، لأكثر من معلول واحد.

لكن الجهات الموجودة في عالم المثال ، الذي دون عالم العقل ، بالغة مبلغا لا تفي بصدورها الجهات القليلة ، التي في العقل الأول ، فلا بد من صدور عقل ثان ثم ثالث وهكذا ، حتى تبلغ جهات الكثرة عددا ، يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال.

فتبين أن هناك عقولا طولية كثيرة ، وإن لم يكن لنا طريق إلى إحصاء عددها.

الفصل الثاني عشر

في العقول العرضية

أثبت الإشراقيون ، في الوجود عقولا عرضية ، لا علية ولا معلولية بينها ، هي

__________________

(١) في الفصل السادس.

(٢) في الفصل

بحذاء الأنواع المادية التي في هذا العالم المادي ، يدبر كل منها ما يحاذيه من النوع ، وتسمى أرباب الأنواع والمثل الأفلاطونية ، لأنه كان يصر على القول بها ، وأنكرها المشاءون ، ونسبوا التدابير المنسوبة إليها ، إلى آخر العقول الطولية ، الذي يسمونه العقل الفعال.

وقد اختلفت أقوال المثبتين في حقيقتها ، وأصح الأقوال فيها على ما قيل ، هو أن لكل نوع من هذه الأنواع المادية ، فردا مجردا في أول الوجود ، واجدا بالفعل جميع الكمالات الممكنة لذاك النوع ، يعتني بأفراده المادية ، فيدبرها بواسطة صورته النوعية ، فيخرجها من القوة إلى الفعل ، بتحريكها حركة جوهرية ، بما يتبعها من الحركات العرضية.

وقد احتجوا لإثباتها بوجوه ، منها أن القوى النباتية ، من الغاذية والنامية والمولدة ، أعراض حالة في جسم النبات متغيرة بتغيره ، متحللة بتحلله ليس لها شعور وإدراك ، فيستحيل أن تكون هي المبادئ الموجدة ، لهذه التراكيب والأفاعيل المختلفة ، والأشكال والتخاطيط الحسنة الجميلة ، على ما فيها من نظام ، دقيق متقن تتحير فيه العقول والألباب ، فليس إلا أن هناك جوهرا مجردا عقليا ، يدبر أمرها ويهديها إلى غايتها فتستكمل بذلك.

وفيه أن من الجائز ، أن ينسب ما نسبوه إلى رب النوع إلى غيره ، فإن أفعال كل نوع مستندة إلى صورته النوعية ، وفوقها العقل الأخير الذي يثبته المشاءون ، ويسمونه العقل الفعال.

ومنها أن الأنواع الواقعة في عالمنا هذا ، على النظام الجاري في كل منها ، دائما من غير تبدل وتغير ، ليست واقعة بالاتفاق ، فلها ولنظامها الدائمي المستمر علل حقيقية ، وليست إلا جواهر مجردة ، توجد هذه الأنواع وتعتني بتدبير أمرها ، دون ما يتخرصون به من نسبة الأفاعيل والآثار ، إلى الأمزجة ونحوها