درس مکاسب - خیارات

جلسه ۲: خیار غبن ۲

 

فمع التكافؤ يرجع إلى أصالة اللزوم. إلاّ أن يقال : إنّ التراضي مع الجهل بالحال لا يخرج (١) عن كون أكل الغابن لمال المغبون الجاهل أكلاً بالباطل.

ويمكن أن يقال : إنّ آية التراضي يشمل غير صورة الخَدْع ، كما إذا أقدم المغبون على شراء العين محتمِلاً لكونه بأضعاف قيمته ، فيدلّ على نفي الخيار في هذه الصورة من دون معارضٍ (٢) ، فيثبت عدم الخيار في الباقي بعدم القول بالفصل ، فتعارض مع آية النهي ، المختصّة بصورة الخَدْع ، الشاملة غيرها بعدم القول بالفصل ، فيرجع بعد تعارضهما بضميمة عدم القول بالفصل وتكافئهما إلى أصالة اللزوم.

ما استدل به في التذكرة والمناقشة فيه

واستدلّ أيضاً في التذكرة : بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أثبت الخيار في تلقّي الركبان وإنّما أثبته للغبن (٣). ويمكن أن يمنع صحّة حكاية إثبات الخيار ؛ لعدم (٤) وجودها في الكتب المعروفة بين الإماميّة ليقبل ضعفه الانجبار بالعمل.

__________________

(١) كذا في «ق» ، لكن قال الشهيدي قدس‌سره بعد أن ذكر العبارة بصيغة الإثبات وبيان الغرض منها ـ : «فما استشكل به سيّدنا الأُستاذ قدس‌سره على العبارة ناشٍ عن الغلط في نسخته من حيث اشتمالها على كلمة" لا" قبل" يخرج"» ، هداية الطالب : ٤٥٤ ، وراجع حاشية السيّد اليزدي في مبحث الخيارات : ٣٥ ، ذيل قول المؤلّف : إلاّ أن يقال ..

(٢) في «ش» : «معارضة».

(٣) التذكرة ١ : ٥٢٢.

(٤) كذا في «ش» ومصحّحة «ف» ، وفي «ق» : «وعدم».

الاستدلال بـ «لا ضرر ولا ضرار»

وأقوى ما استدلّ به على ذلك في التذكرة (١) وغيرها (٢) قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (٣) ، وكأنّ وجه الاستدلال : أنّ لزوم مثل هذا البيع وعدم تسلّط المغبون على فسخه ضررٌ عليه وإضرارٌ به فيكون منفيّاً ، فحاصل الرواية : أنّ الشارع لم يحكم بحكمٍ يكون فيه الضرر ولم يسوّغ إضرارَ المسلمين بعضِهم بعضاً ، ولم يمضِ لهم من التصرّفات ما فيه ضررٌ على الممضى عليه.

ومنه يظهر صحّة التمسّك لتزلزل كلِّ عقدٍ يكون لزومه ضرراً على الممضى عليه ، سواءً كان من جهة الغبن أم لا ، وسواءً كان في البيع أم في غيره ، كالصلح الغير المبني على المسامحة والإجارة وغيرها من المعاوضات.

المناقشة في الاستدلال المذكور

هذا ، ولكن يمكن الخدشة في ذلك : بأنّ انتفاء اللزوم وثبوت التزلزل في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار للمغبون بين الردّ والإمضاء بكلِّ الثمن ؛ إذ يحتمل أن يتخيّر بين إمضاء العقد بكلِّ الثمن وردِّه في المقدار الزائد ، غاية الأمر ثبوت الخيار للغابن ؛ لتبعّض المال عليه ، فيكون حال المغبون حال المريض إذا اشترى بأزيد من ثمن المثل ، وحاله بعد العلم بالقيمة حال الوارث إذا مات ذلك المريض المشتري ، في أنّ له استرداد الزيادة من دون ردّ جزءٍ من العوض ، كما عليه الأكثر في معاوضات المريض المشتملة على المحاباة (٤) وإن اعترض عليهم العلاّمة بما حاصله : أنّ‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٢.

(٢) كما استدلّ به في الغنية : ٢٢٤ ، والتنقيح الرائع ٢ : ٤٧ ، والرياض ٨ : ١٩٠ وغيرها.

(٣) الوسائل ١٧ : ٣٧٦ ، الباب الأوّل من أبواب موانع الإرث ، الحديث ١٠.

(٤) راجع جامع المقاصد ١١ : ١٤١ ، والجواهر ٢٨ : ٤٧٣ ٤٧٤.

استرداد بعض أحد العوضين من دون ردّ بعضَ الآخر ينافي مقتضى المعاوضة (١).

ويحتمل أيضاً أن يكون نفي اللزوم بتسلّط المغبون على إلزام الغابن بأحد الأمرين : من الفسخ في الكلّ ، ومن تدارك ما فات على المغبون بردّ القدر الزائد أو بدله ، ومرجعه إلى أنّ للمغبون الفسخ إذا لم يبذل الغابن التفاوت ، فالمبذول غرامةٌ لما فات على المغبون على تقدير إمضاء البيع ، لا هبةٌ مستقلّةٌ كما في الإيضاح وجامع المقاصد ، حيث انتصرا للمشهور القائلين بعدم سقوط الخيار ببذل الغابن للتفاوت ـ : بأنّ الهبة المستقلّة لا تُخرِج المعاملةَ عن الغبن الموجب للخيار (٢) ، وسيجي‌ء ذلك (٣).

وما ذكرنا نظير ما اختاره العلاّمة في التذكرة واحتمله في القواعد : من أنّه إذا ظهر كذب البائع مرابحةً في إخباره برأس المال فبذل المقدار الزائد مع ربحه ، فلا خيار للمشتري (٤) ، فإنّ مرجع هذا إلى تخيير البائع بين ردّ التفاوت وبين الالتزام بفسخ المشتري.

سقوط الخيار مع بذل الغابن التفاوت للمغبون

وحاصل الاحتمالين : عدم الخيار للمغبون مع بذل الغابن للتفاوت ، فالمتيقّن من ثبوت الخيار له صورة امتناع الغابن من البذل. ولعلّ هذا‌

__________________

(١) راجع القواعد ٢ : ٥٣٦ ، والمختلف ٦ : ٤٢٧.

(٢) الإيضاح ١ : ٤٨٥ ، وجامع المقاصد ٤ : ٢٩٤.

(٣) سيجي‌ء في الصفحة الآتية.

(٤) التذكرة ١ : ٥٤٤ ، ولم نعثر عليه في القواعد ، راجع مبحث المرابحة في القواعد ٢ : ٥٦.