درس مکاسب - خیارات

جلسه ۴: خیار غبن ۴

 

مسألة

شرائط خيار الغبن

يشترط في هذا الخيار أمران :

الأوّل : جهل المغبون بالقيمة

الأوّل : عدم علم المغبون بالقيمة ، فلو علم بالقيمة فلا خيار ، بل لا غبن كما عرفت بلا خلافٍ ولا إشكالٍ ؛ لأنّه أقدم على الضرر.

ثمّ إنّ الظاهر عدم الفرق بين كونه غافلاً من القيمة بالمرّة أو ملتفتاً إليها ، ولا بين كونه مسبوقاً بالعلم وعدمه ، ولا بين الجهل المركّب والبسيط مع الظنّ بعدم الزيادة والنقيصة أو الظنّ بهما أو الشكّ.

ويشكل في الأخيرين إذا أقدم على المعاملة بانياً على المسامحة على تقدير الزيادة أو (١) النقيصة فهو كالعالم ، بل الشاكّ في الشي‌ء إذا أقدم عليه بانياً على تحمّله فهو في حكم العالم من حيث استحقاق المدح عليه أو الذمّ ، ومن حيث عدم معذوريّته لو كان ذلك الشي‌ء ممّا يعذر الغافل فيه ، والحاصل : أنّ الشاكّ الملتفت إلى الضرر مُقدِمٌ عليه.

ومن أنّ مقتضى عموم نفي الضرر وإطلاق الإجماع المحكي ثبوته بمجرّد تحقّق الضرر ، خرج المقدِم عليه عن علمٍ ، بل مطلق الشاكّ ليس‌

__________________

(١) في «ش» : «و».

مُقدِماً على الضرر ، بل قد يُقدِم برجاء عدمه ، ومساواته للعالم في الآثار ممنوعةٌ حتّى في استحقاق المدح والذمّ لو كان المشكوك ممّا يترتّب عليه ذلك عند الإقدام عليه ، ولذا قد يحصل للشاكّ بعد اطّلاعه على الغبن حالةٌ اخرى لو حصلت له قبل العقد لم يُقدم عليه. نعم ، لو صرّح في العقد بالالتزام به ولو على تقدير ظهور الغبن كان ذلك راجعاً إلى إسقاط الغبن.

ثبوت الخيار للجاهل وإن كان قادراً على السؤال

وممّا ذكرنا يظهر ثبوت الخيار للجاهل وإن كان قادراً على السؤال ، كما صرّح به في التحرير والتذكرة (١).

ولو أقدم عالماً على غبنٍ يتسامح به فبان أزيد بما لا يتسامح بالمجموع منه ومن المعلوم ، فلا يبعد الخيار. ولو أقدم على ما لا يتسامح فبان أزيد بما يتسامح به منفرداً أو بما لا يتسامح ، ففي الخيار وجهٌ.

المعتبر القيمة حال العقد

ثمّ إنّ المعتبر القيمة حال العقد ، فلو زادت بعده ولو قبل اطّلاع المغبون على النقصان حين العقد لم ينفع ؛ لأنّ الزيادة إنّما حصلت في ملكه والمعاملة وقعت على الغبن. ويحتمل عدم الخيار حينئذٍ ؛ لأنّ التدارك حصل قبل الردّ ، فلا يثبت الردّ المشروع لتدارك الضرر ، كما لو برئ المعيوب قبل الاطّلاع على عيبه ، بل في التذكرة : أنّه مهما زال العيب قبل العلم أو بعده قبل الردّ سقط حقّ الردّ (٢).

وأشكل منه ما لو توقّف الملك على القبض فارتفع الغبن قبله ؛ لأنّ الملك قد انتقل إليه حينئذٍ من دون نقصٍ في قيمته.

__________________

(١) التحرير ١ : ١٦٦ ، والتذكرة ١ : ٥٢٣.

(٢) التذكرة ١ : ٥٤١.

نعم ، لو قلنا بوجوب التقابض بمجرّد العقد كما صرّح به العلاّمة في الصرف (١) يثبت الخيار ؛ لثبوت الضرر بوجوب إقباض الزائد في مقابلة الناقص. لكن ظاهر المشهور عدم وجوب التقابض.

ولو ثبت الزيادة أو النقيصة بعد العقد ، فإنّه لا عبرة بهما إجماعاً كما في التذكرة (٢).

عدم العبرة بعلم الوكيل في مجرّد الصيغة

ثمّ إنّه لا عبرة بعلم الوكيل في مجرّد العقد ، بل العبرة بعلم الموكّل وجهله. نعم ، لو كان وكيلاً في المعاملة والمساومة ، فمع علمه وفرض صحّة المعاملة حينئذٍ لا خيار للموكِّل ، ومع جهله يثبت الخيار للموكِّل ، إلاّ أن يكون عالماً بالقيمة وبأنّ موكِّله (٣) يعقد على أزيد منها ويقرّره له. وإذا ثبت الخيار في عقد الوكيل فهو للموكِّل خاصّةً ، إلاّ أن يكون وكيلاً مطلقاً بحيث يشمل مثل الفسخ ، فإنّه كالوليّ حينئذٍ (٤).

ثمّ إنّ الجهل إنّما يثبت باعتراف الغابن ، وبالبيّنة إن تحقّقت ، وبقول مدّعيه مع اليمين ؛ لأصالة عدم العلم الحاكمة على أصالة اللزوم ، مع أنّه قد يتعسّر إقامة البيّنة على الجهل ، ولا يمكن للغابن الحلف على علمه ، لجهله بالحال ، فتأمّل.

هذا كلّه إذا لم يكن المغبون من أهل الخبرة بحيث لا يخفى عليه القيمة إلاّ لعارضٍ من غفلةٍ أو غيرها ، وإلاّ فلا يقبل قوله كما في‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥١٠ ، والتحرير ١ : ١٧١.

(٢) التذكرة ١ : ٥٢٣.

(٣) في «ش» : «وكيله».

(٤) في «ش» زيادة : «وقد مرّ ذلك مشروحاً في خيار المجلس».

الجامع (١) والمسالك (٢).

وقد يشكل بأنّ هذا إنّما يوجب عدم قبول قوله من حيث تقديم الظاهر على الأصل ، فغاية الأمر أن يصير مدّعياً من جهة مخالفة قوله للظاهر ، لكن المدّعى لمّا تعسّر إقامة البيّنة عليه ولا يُعرف إلاّ من قِبَله يُقبل قوله مع اليمين ، فليكن هذا من هذا القبيل.

إلاّ أن يقال : إنّ معنى (٣) تقديم الظاهر جعل مدّعيه مقبول القول بيمينه ، لا جعل مخالفه مدّعياً يجري عليه جميع أحكام المدّعى حتّى في قبول قوله إذا تعسّر عليه إقامة البيّنة ، ألا ترى أنّهم لم يحكموا بقبول قول مدّعي فساد العقد إذا تعسّر عليه إقامة البيّنة على سبب الفساد؟

مع أنّ عموم تلك القاعدة ثمّ اندراج المسألة فيها محلّ تأمّلٍ.

لو اختلفا في القيمة وقت العقد

ولو اختلفا في القيمة وقت العقد أو في القيمة بعده مع تعذّر الاستعلام ، فالقول قول منكر سبب الغبن ؛ لأصالة عدم التغيّر ، وأصالة اللزوم.

ومنه يظهر حكم ما لو اتّفقا على التغيّر واختلفا في تأريخ العقد. ولو عُلم تأريخ التغيّر فالأصل وإن اقتضى تأخّر العقد الواقع على الزائد عن القيمة ، إلاّ أنّه لا يثبت به وقوع العقد على الزائد حتّى يثبت الغبن.

الشرط الثاني : كون التفاوت فاحشاً

الشرط الثاني (٤) : كون التفاوت فاحشاً ، فالواحد بل الاثنان في‌

__________________

(١) جامع المقاصد ٤ : ٢٩٤.

(٢) المسالك ٣ : ٢٠٤.

(٣) في «ش» : «إنّ مقتضى».

(٤) في «ش» : «الأمر الثاني».