درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۶: خیار تاخیر ۴

 

وكيف كان ، فالتأمّل في أدلّة المسألة وفتاوي الأصحاب يُشرف الفقيهَ على القطع باختصاص الحكم بالمعيّن.

ما قيل باعتباره في هذا الخيار :

ثمّ إنّ هنا أُموراً قيل باعتبارها في هذا الخيار :

١ ـ عدم الخيار لهما أو لأحدهما

منها : عدم الخيار لأحدهما أو لهما ، قال في التحرير : «ولا خيار للبائع لو كان في المبيع خيار لأحدهما» (١) وفي السرائر قيّد الحكم في عنوان المسألة بقوله : «ولم يشترطا خياراً لهما أو لأحدهما» (٢) وظاهره الاختصاص بخيار الشرط. ويحتمل أن يكون الاقتصار عليه لعنوان المسألة في كلامه بغير الحيوان وهو المتاع.

عدم وجهٍ معتبر في هذا الشرط

وكيف كان ، فلا أعرف وجهاً معتمداً في اشتراط هذا الشرط سواءً أُريد (٣) ما يعمّ خيار الحيوان أم خصوص خيار الشرط ، وسواءً أُريد مطلق الخيار ولو اختصّ بما قبل انقضاء الثلاثة أم أُريد خصوص الخيار المحقّق فيما بعد الثلاثة ، سواءً حدث (٤) فيها أم بعدها.

أوجه ما يقال

وأوجه ما يقال (٥) في توجيه هذا القول مضافاً إلى دعوى انصراف النصوص إلى غير هذا الفرض ـ : أنّ شرط الخيار في قوّة اشتراط التأخير ، وتأخير المشتري بحقّ الخيار ينفي خيار البائع.

وتوضيح ذلك ما ذكره في التذكرة في أحكام الخيار : من أنّه‌

__________________

(١) التحرير ١ : ١٦٧.

(٢) السرائر ٢ : ٢٧٧.

(٣) في «ش» : «أراد».

(٤) في «ش» : «أحدث».

(٥) قاله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٩ ٥٨٠.

لا يجب على البائع تسليم المبيع ولا على المشتري تسليم الثمن في زمان الخيار ، ولو تبرّع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره ولا يُجبر الآخر على تسليم ما في يده (١) وله استرداد المدفوع قضيّةً للخيار. وقال بعض الشافعيّة : ليس له استرداده ، وله أخذ ما عند صاحبه بدون رضاه ، كما لو كان التسليم بعد لزوم البيع (٢) ، انتهى.

وحينئذٍ فوجه هذا الاشتراط : أنّ ظاهر الأخبار كون عدم مجي‌ء المشتري بالثمن بغير حقّ التأخير ، وذو الخيار له حقّ التأخير ، وظاهرها أيضاً كون عدم إقباض البائع لعدم قبض الثمن لا لحقٍّ له في عدم الإقباض. والحاصل : أنّ الخيار بمنزلة تأجيل أحد العوضين.

المناقشة في الوجه المذكور

وفيه بعد تسليم الحكم في الخيار وتسليم انصراف الأخبار إلى كون التأخير بغير حقٍّ ـ : أنّه ينبغي على هذا القول كون مبدأ الثلاثة من حين التفرّق وكون هذا الخيار مختصّاً بغير الحيوان ، مع اتّفاقهم على ثبوته فيه كما يظهر من المختلف (٣) ، وإن (٤) ذهب الصدوق إلى كون الخيار في الجارية بعد شهرٍ (٥). إلاّ أن يراد بما في التحرير : عدم ثبوت خيار التأخير ما دام الخيار ثابتاً لأحدهما (٦) ، فلا ينافي‌

__________________

(١) في «ش» زيادة : «الآخر».

(٢) التذكرة ١ : ٥٣٧.

(٣) راجع المختلف ٥ : ٦٨ ٧١.

(٤) لم ترد «إن» في «ش».

(٥) راجع المقنع : ٣٦٥.

(٦) التحرير ١ : ١٦٧.

ثبوته في الحيوان بعد الثلاثة.

التفصيل الذي ذكره بعض

وقد يفصّل (١) بين ثبوت الخيار للبائع من جهةٍ أُخرى فيسقط معه هذا الخيار لأنّ خيار التأخير شُرّع لدفع ضرره وقد اندفع بغيره ، ولدلالة النصّ والفتوى على لزوم البيع في الثلاثة فيختصّ بغير صورة ثبوت الخيار له ، قال : ودعوى أنّ المراد من الأخبار اللزوم من هذه الجهة ، مدفوعةٌ بأنّ التأخير سبب الخيار (٢) ولا يتقيّد الحكم بالسبب وبين ما إذا كان الخيار للمشتري فلا وجه لسقوطه ، مع أنّ اللازم منه عدم ثبوت هذا الخيار في الحيوان (٣).

ضعف التفصيل المذكور

ووجه ضعف هذا التفصيل : أنّ ضرر الصبر بعد الثلاثة لا يندفع بالخيار في الثلاثة. وأمّا ما ذكره من عدم تقييد الحكم بالسبب ، فلا يمنع من كون نفي الخيار في الثلاثة من جهة التضرّر بالتأخير ، ولذا لا ينافي هذا الخيار خيارَ المجلس.

٢ ـ تعدّد المتعاقدين

ومنها (٤) : تعدّد المتعاقدين ؛ لأنّ النصّ مختصٌّ بصورة التعدّد ، ولأنّ هذا الخيار ثبت بعد خيار المجلس ، وخيار المجلس باقٍ مع اتّحاد العاقد إلاّ مع إسقاطه.

المناقشة في هذا الشرط

وفيه : أنّ المناط عدم الإقباض والقبض ، ولا إشكال في تصوّره‌

__________________

(١) فصّله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٩ ٥٨٠.

(٢) في «ش» : «للخيار».

(٣) انتهى ما قاله المفصّل نقلاً بالمعنى.

(٤) أي من الأُمور التي قيل باعتبارها في هذا الخيار ، وقد تقدّم أوّلها في الصفحة ٢٣٠.

من المالكَين مع اتّحاد العاقد من قبلهما. وأمّا خيار المجلس ، فقد عرفت أنّه غير ثابتٍ للوكيل في مجرّد العقد ، وعلى تقديره فيمكن إسقاطه أو اشتراط عدمه. نعم ، لو كان العاقد وليّاً بيده العوضان لم يتحقّق الشرطان الأوّلان أعني عدم الإقباض والقبض وليس ذلك من جهة اشتراط التعدّد.

٣ ـ أن لا يكون المبيع حيواناً أو خصوص الجارية

ومنها : أن لا يكون المبيع حيواناً أو خصوص الجارية ، فإنّ المحكيّ عن الصدوق في المقنع أنّه إذا اشترى [جاريةً (١)] فقال : أجيئك بالثمن ، فإن جاء بالثمن فيما بينه وبين شهرٍ ، وإلاّ فلا بيع له (٢).

وظاهر المختلف نسبة الخلاف إلى الصدوق في مطلق الحيوان (٣). والمستند فيه رواية ابن يقطين عن رجلٍ اشترى جارية فقال : أجيئك بالثمن ، فقال : «إن جاء فيما بينه وبين شهر ، وإلاّ فلا بيع له» (٤).

المناقشة في هذا الشرط

ولا دلالة فيها (٥) على صورة عدم إقباض الجارية ولا قرينة على حملها عليها ، فيحتمل الحمل على اشتراط المجي‌ء بالثمن إلى شهرٍ في متن العقد ، فيثبت الخيار عند تخلّف الشرط ، ويحتمل الحمل على استحباب صبر البائع وعدم فسخه إلى شهرٍ. وكيف كان ، فالرواية مخالفةٌ لعمل المعظم ، فلا بدّ من حملها على بعض الوجوه.

__________________

(١) لم يرد في «ق».

(٢) راجع المختلف ٥ : ٧٠ ، والمقنع : ٣٦٥.

(٣) انظر المختلف ٥ : ٧٠.

(٤) الوسائل ١٢ : ٣٥٧ ، الباب ٩ من أبواب الخيار ، الحديث ٦.

(٥) في «ق» : «فيه».

مبدأ الثلاثة في خيار التأخير

ثمّ إنّ مبدأ الثلاثة من حين التفرّق أو من حين العقد؟ وجهان : من ظهور قوله : «فإن جاء بالثمن بينه وبين ثلاثة أيّامٍ» في كون مدّة الغيبة ثلاثةً ، ومن كون ذلك كنايةً عن عدم التقابض ثلاثة أيّامٍ ، كما هو ظاهر قوله عليه‌السلام في رواية ابن يقطين : «الأجل بينهما ثلاثة أيّامٍ ، فإن قبض بيعه وإلاّ فلا بيع بينهما» (١) وهذا هو الأقوى.

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٥٧ ، الباب ٩ من أبواب الخيار ، الحديث ٣.