درس مکاسب - خیارات

جلسه ۲۰: خیار رویت ۱

 

السادس

خيار الرؤية‌

المراد من خيار الرؤية

والمراد به الخيار المسبَّب عن رؤية المبيع على خلاف ما اشترطه فيه المتبايعان.

الدليل على هذا الخيار

ويدلّ عليه قبل الإجماع المحقَّق والمستفيض ـ : حديثُ نفي الضرر. واستُدلّ عليه أيضاً بأخبارٍ :

منها : صحيحة جميل بن درّاج قال : «سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلٍ اشترى ضيعةً وقد كان يدخلها ويخرج منها ، فلمّا أن نقد المال صار إلى الضيعة فقلّبها ثمّ رجع فاستقال صاحبه ، فلم يُقِله ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : إنّه لو قلّب منها ونظر إلى تسعٍ وتسعين قطعةً ثمّ بقي منها قطعةٌ لم يرها لكان له فيها خيار الرؤية» (١). ولا بدّ من حملها على صورةٍ يصحّ معها بيع الضيعة ، إمّا بوصف القطعة الغير المرئيّة ، أو بدلالة ما رآه منها على ما لم يره.

وقد يستدلّ أيضاً بصحيحة زيد الشحّام قال : «سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلٍ اشترى سهام القصّابين من قبل أن يخرج السهم ، فقال عليه‌السلام‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٦١ ، الباب ١٥ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

لا يشتر شيئاً حتّى يعلم أين يخرج السهم ، فإن اشترى شيئاً فهو بالخيار إذا خرج» (١).

قال في الحدائق (٢) : وتوضيح معنى هذا الخبر ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج عن منهال القصّاب وهو مجهولٌ قال : «قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أشتري الغنم أو يشتري الغنم جماعةٌ ، ثمّ تُدخَل داراً ، ثمّ يقوم رجلٌ على الباب فيعُدّ واحداً واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة ثمّ يخرج السهم؟ قال : لا يصلح هذا ، إنّما تصلح السهام إذا عدلت القسمة .. الخبر» (٣).

أقول : لم يُعلم وجه الاستشهاد به لما نحن فيه ؛ لأنّ المشتري لسهم القصّاب إن اشتراه مشاعاً فلا مورد لخيار الرؤية ، وإن اشترى سهمه المعيّن الذي يخرج فهو شراء فردٍ غير معيّنٍ ، وهو باطلٌ ، وعلى الصحّة فلا خيار فيه للرؤية كالمشاع.

ويمكن حمله على شراء عددٍ معيّنٍ نظير الصاع من الصبرة ، ويكون له خيار الحيوان إذا خرج السهم.

عدم اختصاص هذا الخيار بالمشتري

ثمّ إنّ صحيحة جميل مختصّةٌ بالمشتري ، والظاهر الاتّفاق على أنّ هذا الخيار يثبت للبائع أيضاً إذا لم يرَ المبيع وباعه بوصف غيره فتبيّن كونه زائداً على ما وصف.

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٦٢ ، الباب ١٥ من أبواب الخيار ، الحديث ٢.

(٢) راجع الحدائق ١٩ : ٥٧.

(٣) راجع الكافي ٥ : ٢٢٣ ، الحديث ٢ ، والتهذيب ٧ : ٧٩ ، الحديث ٣٣٩ ، وعنهما في الوسائل ١٢ : ٢٦٥ ، الباب ١٢ من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٨.

وحكي عن بعضٍ (١) : أنّه يحتمل في صحيحة جميل أن يكون التفتيش من البائع بأن يكون البائع باعه بوصف المشتري ، وحينئذٍ فيكون الجواب عامّاً بالنسبة إليهما على تقدير هذا الاحتمال. ولا يخفى بعده ، وأبعد منه دعوى عموم الجواب حينئذٍ (٢) ، والله العالم.

__________________

(١) حكاه المحدّث البحراني في الحدائق ١٩ : ٥٨.

(٢) لم ترد «حينئذ» في «ش».

مسألة

مورد خيار الرؤية

مورد هذا الخيار بيع العين الشخصيّة الغائبة.

اشتراط ذكر أوصاف المبيع

اختلاف التعابير في بيان هذا الشرط

والمعروف أنّه يشترط في صحّته ذكر أوصاف المبيع التي يرتفع بها الجهالة الموجبة للغرر ؛ إذ لولاها لكان غرراً. وعبّر بعضهم عن هذه الأوصاف بما يختلف الثمن باختلافه ، كما في الوسيلة (١) وجامع المقاصد (٢) وغيرهما (٣). وآخر بما يعتبر في صحّة السلم (٤). وآخرون كالشيخين (٥) والحلّي (٦) اقتصروا على اعتبار ذكر الصفة.

رجوع التعابير المختلفة إلى أمرٍ واحد

والظاهر أنّ مرجع الجميع واحدٌ ، ولذا ادّعي الإجماع على كلّ‌

__________________

(١) الوسيلة : ٢٤٠.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٣٠١.

(٣) مثل المسالك ٣ : ٢١٩ ، ومجمع الفائدة ٨ : ٤١٠ ، والحدائق ١٩ : ٥٨.

(٤) كما في التذكرة ١ : ٤٦٧ و ٥٢٤ ، والنهاية ٢ : ٤٩٩ ٥٠٠ ، ومفتاح الكرامة ٤ : ٢٩٠ ٢٩١.

(٥) راجع المقنعة : ٥٩٤ و ٦٠٩ ، والمبسوط ٢ : ٧٦.

(٦) السرائر ٢ : ٢٤١.

واحدٍ منها.

ففي موضعٍ من التذكرة : يشترط في بيع خيار الرؤية وصف المبيع وصفاً يكفي في السلم عندنا. وعنه في موضعٍ آخر من التذكرة : أنّ شرط صحّة بيع الغائبة وصفها بما يرفع الجهالة عند علمائنا أجمع ، ويجب ذكر اللفظ الدالّ على الجنس. ثمّ ذكر أنّه يجب ذكر اللفظ الدالّ على التميّز ، وذلك بذكر جميع الصفات التي يختلف الأثمان باختلافها ويتطرّق الجهالة بترك بعضها (١) ، انتهى.

وفي جامع المقاصد : ضابط ذلك أنّ كلّ وصفٍ تتفاوت الرغبات بثبوته وانتفائه وتتفاوت به القيمة تفاوتاً ظاهراً لا يتسامح به يجب ذكره ، فلا بدّ من استقصاء أوصاف السلَم ، انتهى (٢).

توهّم التنافي بين بعض التعابير

وربما يتراءى التنافي بين اعتبار ما يختلف الثمن باختلافه وكفاية ذكر أوصاف السلم من جهة أنّه قد يتسامح في السلم [في (٣)] ذكر بعض الأوصاف ، لإفضائه إلى عزّة الوجود أو لتعذّر الاستقصاء على التحقيق. وهذا المانع مفقودٌ فيما نحن فيه.

قال في التذكرة في باب السلَم : لا يشترط وصف كلّ عضوٍ من الحيوان بأوصافه المقصودة وإن تفاوت به الغرض والقيمة ؛ لإفضائه إلى عزّة الوجود (٤) ، انتهى.

__________________

(١) راجع التذكرة ١ : ٤٦٧ و ٥٢٣.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٣٠١.

(٣) لم يرد في «ق».

(٤) التذكرة ١ : ٥٥٢.

وقال في السلم في الأحجار المتّخذة للبناء : إنّه يذكر نوعها ولونها ويصف عِظَمها ، فيقول : ما يحمل البعير منها اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً على سبيل التقريب دون التحقيق ، لتعذّر التحقيق (١).

دفع التنافي المذكور

ويمكن أن يقال : إنّ المراد ما يعتبر في السلَم في حدّ ذاته مع قطع النظر عن العذر الموجب للمسامحة في بعض أفراد السلَم ، وإن كان يمكن أن يورد على مسامحتهم هناك : أنّ الاستقصاء في الأوصاف شرطٌ في السلم غير مقيّدٍ بحال التمكّن ، فتعذّره يوجب فساد السلَم لا الحكم بعدم اشتراطه ، كما حكموا بعدم جواز السلم فيما لا يمكن ضبط أوصافه ، وتمام الكلام في محلّه.

إشكال عدم حصر الاوصاف التي يختلف الثمن من أجلها

ثمّ إنّ الأوصاف التي يختلف الثمن من أجلها غير محصورةٍ ، خصوصاً في العبيد والإماء ؛ فإنّ مراتبهم الكماليّة التي تختلف بها أثمانهم غير محصورة جدّاً ، والاقتصار على ما يرفع به معظم الغرر إحالةٌ على مجهول ، بل يوجب الاكتفاء على ما دون صفات السلم ؛ لانتفاء الغرر عرفاً بذلك ، مع أنّا علمنا أنّ الغرر العرفي أخصّ من الشرعي.

إشكال آخر في المقام

وكيف كان ، فالمسألة لا تخلو عن إشكالٍ. وأشكل من ذلك أنّ الظاهر أنّ الوصف يقوم مقام الرؤية المتحقّقة في بيع العين الحاضرة ، وعلى هذا فيجب أن يعتبر في الرؤية أن يحصل بها الاطّلاع على جميع الصفات المعتبرة في العين الغائبة ممّا يختلف الثمن باختلافه.

قال في التذكرة : يشترط رؤية ما هو مقصودٌ بالبيع كداخل‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٥٣.