درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۷۸: اوامر ۴

 

الجهة الثالثة : [في كون الأمر حقيقة في الوجوب]

لا يبعد كون لفظ الأمر حقيقة في الوجوب (١) ، لانسباقه (٢) عنه عند إطلاقه (٣).

ويؤيّده قوله تعالى : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٤) ؛ وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لو لا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسّواك» (٥) ؛ وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبريرة ـ بعد قولها : «أتأمرني يا رسول الله؟» ـ : «لا ، أنا شافع (٦)» (٧) ... إلى غير ذلك ؛ وصحّة الاحتجاج (٨) على العبد ومؤاخذته بمجرّد مخالفة أمره ، وتوبيخه على مجرّد

__________________

(١) أي : الطلب الوجوبيّ.

(٢) كلمة «الانسباق» لا تساعد عليها اللغة. بل الصحيح «لسبقه».

(٣) لا يخفى : أنّ في منشأ هذا التبادر أقوال :

الأوّل : أنّ منشؤه وضع لفظ «الأمر» للطلب الوجوبيّ ، فالوجوب مأخوذ قيدا في الموضوع له لفظ الأمر. وهذا يظهر من كلام المصنّف رحمه‌الله في المقام.

الثاني : أنّ منشؤه أخذ الوجوب قيدا للمستعمل فيه ، وإن لم يكن قيدا للموضوع له. وهذا يظهر من هداية المسترشدين : ١٣٩.

الثالث : أنّ منشؤه ليس إلّا حكم العقل بوجوب طاعة الآمر. وهذا ما أفاده المحقّق النائينيّ ، وتبعه تلميذه المحقّق الخوئيّ ، فراجع فوائد الاصول ١ : ١٣٦ ـ ١٣٦ ، والمحاضرات ٢ : ١٤ ـ ١٥ و ١٣١.

(٤) النور / ٦٣.

وجه التأييد أنّه (تعالى) حذّر مخالف الأمر ، والتحذير يناسب الوجوب لا الندب.

(٥) وسائل الشيعة ١ : ٣٥٤ ، الباب ٣ من أبواب السواك ، الحديث ٣.

وجه التأييد أنّ المشقّة انّما تكون في الإلزام لا في الندب.

(٦) وإليك نصّ الرواية : «لا ، انّما أنا شفيع».

(٧) مستدرك الوسائل ١٥ : ٣٢ ، الباب ٣٦ من أبواب النكاح العبيد والإماء ، الحديث : ٣.

وجه التأييد أنّه لو لم يكن الأمر للوجوب ما معنى لاستفهام بريرة.

(٨) في قوله : «وصحّة الاحتجاج ...» وجهان :

الأوّل : أن يكون معطوفا على قوله تعالى : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ ...﴾ ، فيكون مؤيّدا.

الثاني : أن يكون معطوفا على قوله : «لانسباقه». وعليه يكون دليلا.

والأظهر هو الأوّل ، حيث يرد عليه ما يرد على سابقه من أنّ غاية ما يستفاد من هذه الامور هو استعمال الأمر في الوجوب ، وهو أعمّ من الوضع ؛ مضافا إلى أنّ دلالة بعضها ـ

مخالفته ، كما في قوله تعالى : ﴿ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ»﴾ (١).

وتقسيمه إلى الإيجاب والاستحباب (٢) إنّما يكون قرينة على إرادة المعنى الأعمّ منه في مقام تقسيمه (٣) ، وصحّة الاستعمال في معنى أعمّ من كونه (٤) على نحو الحقيقة ، كما لا يخفى.

وأمّا ما افيد من أنّ الاستعمال فيهما ثابت ، فلو لم يكن موضوعا للقدر المشترك بينهما لزم الاشتراك أو المجاز (٥) ؛ فهو غير مفيد ، لما مرّت الإشارة إليه في الجهة الاولى وفي تعارض الأحوال ، فراجع (٦).

والاستدلال بأنّ فعل المندوب طاعة ، وكلّ طاعة فهو فعل المأمور به (٧). فيه

__________________

ـ على الوجوب بمعونة القرينة ، كقرينة المشقّة في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لو لا أن أشقّ ...» ، وقرينة مقابلة الأمر بالشفاعة في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ، انّما أنا شفيع».

(١) الأعراف / ١٢.

وجه التأييد أنّه لا تصحّ مؤاخذة العبد وتوبيخه على مجرّد مخالفة أمر المولى ، إلّا إذا كان الأمر وجوبيّا.

(٢) إشارة إلى دليل القائلين بوضع لفظ «الأمر» لمطلق الطلب الجامع بين الوجوب والاستحباب.

وحاصله : أنّ تقسيم الأمر إلى الوجوب والاستحباب دليل على أنّ الموضوع له لفظ الأمر هو الجامع بينهما.

وهذا الدليل تعرّض له المحقّق القمّي وأورد عليه بما ذكر في المتن ، فراجع قوانين الاصول ١ : ٨١ ـ ٨٢.

(٣) فالتقسيم قرينة على استعمال ما وضع لمعنى خاصّ في الأعمّ منه.

(٤) أي : الاستعمال.

(٥) هذا دليل آخر لمن قال بوضع لفظ «الأمر» للطلب الوجوبيّ والطلب الندبيّ.

وتعرّض له صاحب الفصول ، ثمّ أراد توجيهه بحيث يرجع إلى ما رامه من أنّ «الأمر» حقيقة في طلب الفعل مطلقا ، ويتبادر منه الإلزام تبادرا إطلاقيّا. الفصول الغرويّة : ٦٥.

والمحقّق العراقيّ وافق صاحب الفصول فيما ذكر. نهاية الأفكار ١ : ١٦٠ ، ومقالات الاصول ١ : ٢٠٦.

(٦) راجع الأمر الثامن من الأمور المذكورة في المقدّمة : ٤٦. وراجع الصفحة : ١٢٠.

(٧) فالمندوب فعل المأمور به. وهذا الدليل أيضا تعرّض له المحقّق القمّي ثمّ أورد عليه بما ـ

ما لا يخفى من منع الكبرى لو اريد من المأمور به معناه الحقيقيّ ، وإلّا لا يفيد المدّعى.

الجهة الرابعة : [في أنّ الأمر موضوع للطلب الإنشائيّ]

الظاهر أنّ الطلب الّذي يكون هو معنى الأمر ليس هو الطلب الحقيقيّ (١) ـ الّذي يكون طلبا بالحمل الشائع الصناعيّ (٢) ـ ، بل الطلب الإنشائيّ (٣) ـ الّذي لا يكون بهذا الحمل طلبا مطلقا ، بل طلبا إنشائيّا (٤) ـ ، سواء انشئ بصيغة افعل ، أو بمادّة الطلب ، أو بمادّة الأمر ، أو بغيرها.

ولو أبيت إلّا عن كونه موضوعا للطلب (٥) ، فلا أقلّ من كونه منصرفا إلى الإنشائيّ منه عند إطلاقه (٦) كما هو الحال في لفظ «الطلب» أيضا ، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الإنشائيّ. كما أنّ الأمر في لفظ «الإرادة» على عكس لفظ «الطلب» ، والمنصرف عنها (٧) عند إطلاقها هو الإرادة الحقيقيّة.

[اتّحاد الطلب والإرادة]

واختلافهما في ذلك (٨) ألجأ بعض أصحابنا (٩) إلى الميل إلى ما ذهب إليه

__________________

ـ ذكر هنا. راجع قوانين الاصول ١ : ٨٢.

(١) وهو الشوق الحاصل في النفس الّذي من الكيفيّات القائمة بالنفس ، وله وجود في الخارج.

(٢) لأنّ الشوق من مصاديق الطلب ، وهو موجود خارجيّ.

(٣) وهو مظهر الطلب الحقيقيّ.

(٤) فالفرق بين الطلب الحقيقيّ والإنشائيّ أنّ الطلب الحقيقيّ يحمل عليه الطلب المطلق بحمل الشائع الصناعيّ ، والطلب الإنشائيّ لا يحمل عليه الطلب بقول مطلق بالحمل الشائع ، بل يحمل عليه الطلب الإنشائيّ.

(٥) أي : مطلق الطلب الجامع بين الحقيقيّ والإنشائيّ.

(٦) أي : فلا أقلّ من كون لفظ «الأمر» منصرفا إلى الإنشائيّ من الطلب عند إطلاق لفظ «الأمر».

(٧) والأولى أن يقول : «إذ المنصرف عنها».

(٨) أي : اختلاف لفظي الطلب والإرادة في المعنى المنصرف عن كلّ منهما.

(٩) كالشيخ محمّد تقيّ الاصفهانيّ في هداية المسترشدين : ١٣٥ ، والمحقّق الخوانساريّ في رسالة في مقدّمة الواجب. ووافقهم المحقّق النائينيّ كما يأتي.