درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۸۰: اوامر ۶

 

ما لا يخفى من منع الكبرى لو اريد من المأمور به معناه الحقيقيّ ، وإلّا لا يفيد المدّعى.

الجهة الرابعة : [في أنّ الأمر موضوع للطلب الإنشائيّ]

الظاهر أنّ الطلب الّذي يكون هو معنى الأمر ليس هو الطلب الحقيقيّ (١) ـ الّذي يكون طلبا بالحمل الشائع الصناعيّ (٢) ـ ، بل الطلب الإنشائيّ (٣) ـ الّذي لا يكون بهذا الحمل طلبا مطلقا ، بل طلبا إنشائيّا (٤) ـ ، سواء انشئ بصيغة افعل ، أو بمادّة الطلب ، أو بمادّة الأمر ، أو بغيرها.

ولو أبيت إلّا عن كونه موضوعا للطلب (٥) ، فلا أقلّ من كونه منصرفا إلى الإنشائيّ منه عند إطلاقه (٦) كما هو الحال في لفظ «الطلب» أيضا ، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الإنشائيّ. كما أنّ الأمر في لفظ «الإرادة» على عكس لفظ «الطلب» ، والمنصرف عنها (٧) عند إطلاقها هو الإرادة الحقيقيّة.

[اتّحاد الطلب والإرادة]

واختلافهما في ذلك (٨) ألجأ بعض أصحابنا (٩) إلى الميل إلى ما ذهب إليه

__________________

ـ ذكر هنا. راجع قوانين الاصول ١ : ٨٢.

(١) وهو الشوق الحاصل في النفس الّذي من الكيفيّات القائمة بالنفس ، وله وجود في الخارج.

(٢) لأنّ الشوق من مصاديق الطلب ، وهو موجود خارجيّ.

(٣) وهو مظهر الطلب الحقيقيّ.

(٤) فالفرق بين الطلب الحقيقيّ والإنشائيّ أنّ الطلب الحقيقيّ يحمل عليه الطلب المطلق بحمل الشائع الصناعيّ ، والطلب الإنشائيّ لا يحمل عليه الطلب بقول مطلق بالحمل الشائع ، بل يحمل عليه الطلب الإنشائيّ.

(٥) أي : مطلق الطلب الجامع بين الحقيقيّ والإنشائيّ.

(٦) أي : فلا أقلّ من كون لفظ «الأمر» منصرفا إلى الإنشائيّ من الطلب عند إطلاق لفظ «الأمر».

(٧) والأولى أن يقول : «إذ المنصرف عنها».

(٨) أي : اختلاف لفظي الطلب والإرادة في المعنى المنصرف عن كلّ منهما.

(٩) كالشيخ محمّد تقيّ الاصفهانيّ في هداية المسترشدين : ١٣٥ ، والمحقّق الخوانساريّ في رسالة في مقدّمة الواجب. ووافقهم المحقّق النائينيّ كما يأتي.

الأشاعرة من المغايرة بين الطلب والإرادة (١) ، خلافا لقاطبة أهل الحقّ والمعتزلة من اتّحادهما(٢).

فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحقّ في المقام ، وإن حقّقناه في بعض فوائدنا (٣) إلّا أنّ الحوالة لمّا لم تكن عن المحذور خالية ، والإعادة بلا فائدة ولا إفادة (٤) ، كان المناسب هو التعرّض هاهنا أيضا.

فاعلم أنّ الحقّ كما عليه أهله ـ وفاقا للمعتزلة وخلافا للأشاعرة ـ هو اتّحاد الطلب والإرادة ، بمعنى أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد ، وما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر (٥) ، والطلب المنشأ بلفظه (٦) أو بغيره عين الإرادة الإنشائيّة.

وبالجملة : هما متّحدان مفهوما وإنشاء وخارجا ، لا أنّ الطلب الإنشائيّ الّذي هو المنصرف إليه إطلاقه ـ كما عرفت ـ متّحد مع الإرادة الحقيقيّة الّتي ينصرف إليها إطلاقها أيضا ، ضرورة أنّ المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الأمس.

فإذا عرفت المراد من حديث العينيّة والاتّحاد ، ففي مراجعة الوجدان ـ عند طلب شيء والأمر به حقيقة ـ كفاية ، فلا يحتاج إلى مزيد بيان وإقامة برهان ، فإنّ الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب

__________________

(١) راجع شرح المواقف ٨ : ٩٣ ، شرح التجريد (للقوشجيّ) : ٢٤٦ ، نقد المحصّل : ١٧٠.

(٢) راجع كشف المراد : ٢٢٣.

(٣) فوائد الاصول (للمصنّف) : ٢٣.

(٤) هكذا في النسخة الأصليّة والنسخة الاخرى الموجودة عندنا. وعليه يكون معنا العبارة : ولمّا لم تكن الإعادة بلا فائدة ولا إفادة.

وفي النسخة المطبوعة بالطبع الحجريّ المزيّنة بحاشية المحقّق المشكينيّ ١ : ٩٥ ، هكذا : «والإعادة ليس بلا فائدة ولا إفادة». وعليه يكون قوله : «الإعادة» معطوفا على نفس كلمة «الحوالة» ، فيكون معناها : إلّا أنّ الإعادة ليست بلا فائدة.

والأولى أن يقول : «الّا أنّه لمّا لم تكن الحوالة خالية عن المحذور ولم تكن الإعادة بلا فائدة ...».

(٥) فهما متّحدان مفهوما ومصداقا.

(٦) أي : بلفظ الطلب ، كأن يقال : أطلب منك كذا.

غيرها (١) سوى ما هو مقدّمة تحقّقها عند خطور الشيء والميل وهيجان الرغبة إليه والتصديق لفائدته (٢) ، وهو (٣) الجزم بدفع ما يوجب توقّفه عن طلبه لأجلها.

وبالجملة : لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإرادة هناك صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب (٤) ، فلا محيص عن اتّحاد الإرادة والطلب ، وأن يكون ذلك الشوق المؤكّد ـ المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة ، أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده (٥) لا كذلك ـ مسمّى ب «الطلب والإرادة» ، كما يعبّر به تارة وبها اخرى ، كما لا يخفى (٦).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «تكون هي الطلب» ، فإنّ الضمير يرجع إلى الصفة ، وكلمة «غيرها» زائدة ، للاستغناء عنها بقوله : «غير الإرادة».

(٢) والأولى أن يقدّم تصديق الفائدة على الميل والهيجان.

(٣) أي : ما هو مقدّمة تحقّق الإرادة.

(٤) هكذا في النسخ. والاولى أن يقول : «تكون هي الطلب».

(٥) وفي النسخة الأصليّة : «أريده». والصحيح ما في المتن.

(٦) وقد خالفه المحقّق النائينيّ وادّعى وجود صفة اخرى بين الإرادة والفعل ، وذهب إلى تغاير الطلب والإرادة وفاقا للأشاعرة.

وحاصل كلامه : أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ هناك وراء الإرادة أمرا آخر يكون هو المستتبع لحركة العضلات ، ويكون ذلك من أفعال النفس ، وإن شئت فسمّه : «حملة النفس» أو «حركة النفس» أو «تصدّي النفس». وذلك لوضوح أنّ الانبعاث لا يكون إلّا بالبعث ، والبعث انّما هو من مقولة الفعل ، وقد عرفت أنّ الإرادة ليست من الأفعال النفسانيّة ، بل هي من الكيفيّات النفسانيّة ، فلو لم يكن هناك فعل نفسانيّ يقتضي الانبعاث يلزم منه أن يكون انبعاثا بلا بعث.

والحاصل : أنّ وراء الإرادة والشوق المؤكّد أمرا آخر ، يسمّى بالطلب. وهو عبارة عن تصدّي النفس نحو المطلوب وحملتها إليه.

فظهر أنّ الحقّ مع القائلين بتغاير الطلب والإرادة وفاقا للأشاعرة. أجود التقريرات ١ : ٨٨ ـ ٩١ ، فوائد الاصول ١ : ١٣٠ ـ ١٣٣.

ولا يخفى : أنّ ما التزم به المحقّق النائينيّ من ثبوت صفة نفسانيّة اخرى هي التصدّي والاختيار غير ما التزم به الأشاعرة من ثبوت صفة نفسانيّة هي الكلام النفسيّ ، كما يأتي.