درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۸۳: اوامر ۹

 

وبالجملة : الّذي يتكفّله الدليل ليس إلّا الانفكاك بين الإرادة الحقيقيّة والطلب المنشأ بالصيغة الكاشف عن مغايرتهما ، وهو (١) ممّا لا محيص عن الالتزام به ـ كما عرفت ـ ، ولكنّه لا يضرّ بدعوى الاتّحاد أصلا ، لمكان هذه المغايرة والانفكاك بين الطلب الحقيقيّ والإنشائيّ ، كما لا يخفى.

ثمّ إنّه يمكن ممّا حقّقناه أن يقع الصلح بين الطرفين ، ولم يكن نزاع في البين ، بأن يكون المراد بحديث الاتّحاد ما عرفت من العينيّة مفهوما ووجودا ، حقيقيّا وإنشائيّا ، ويكون المراد بالمغايرة والاثنينيّة هو اثنينيّة الإنشائيّ من الطلب ـ كما هو كثيرا ما يراد من إطلاق لفظه ـ والحقيقيّ من الإرادة ـ كما هو المراد (٢) غالبا منها حين إطلاقها ـ ، فيرجع النزاع لفظيّا ، فافهم (٣).

دفع وهم (٤)

لا يخفى : أنّه ليس غرض الأصحاب والمعتزلة ـ من نفي غير الصفات المشهورة وأنّه ليس صفة اخرى قائمة بالنفس كانت كلاما نفسيّا مدلولا للكلام اللفظيّ كما يقول به الأشاعرة ـ أنّ هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام (٥).

إن قلت : فما ذا يكون مدلولا عليه عند الأصحاب والمعتزلة؟

__________________

(١) أي : الانفكاك بين الإرادة الحقيقيّة والطلب الإنشائيّ.

(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «والحقيقيّة من الإرادة كما هي المرادة ...».

(٣) لعلّه إشارة إلى أنّ الأشاعرة التزموا بثبوت صفة نفسانيّة اخرى في النفس قبال الإرادة ، وصرّحوا بالمغايرة بين الطلب والإرادة الحقيقيّين ، فكيف يمكن أن يحمل كلامهم على المغايرة بين الطلب الإنشائيّ والإرادة الحقيقيّة؟!

(٤) حاصل الوهم : أنّه لا بدّ للكلام اللفظيّ من مدلول ، وإذا لم يكن مدلوله الكلام النفسيّ ـ كما يدّعيه الأشاعرة ـ فثبت أنّ مدلوله إحدى الصفات المشهورة من العلم والإرادة والترجّي وغيرها.

(٥) والوجه في ذلك أنّ مقصودهم في المقام نفي ما ادّعاه الأشاعرة من ثبوت صفة زائدة على الصفات المشهورة ، وهو يثبت من دون حاجة إلى إثبات مدلول الكلام اللفظيّ.

قلت : أمّا الجمل الخبريّة فهي دالّة على ثبوت النسبة بين طرفيها أو نفيها في نفس الأمر من ذهن أو خارج ، ك «الإنسان نوع» أو «كاتب».

وأمّا الصيغ الإنشائيّة فهي ـ على ما حقّقناه في بعض فوائدنا (١) ـ موجدة لمعانيها في نفس الأمر ـ أي قصد ثبوت معانيها وتحقّقها بها ـ ، وهذا نحو من الوجود ، وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبار مترتّبة عليه ـ شرعا وعرفا ـ آثار ، كما هو الحال في صيغ العقود والإيقاعات.

نعم ، لا مضايقة في دلالة مثل صيغة الطلب والاستفهام والترجّي والتمنّي بالدلالة الالتزاميّة على ثبوت هذه الصفات حقيقة ، إمّا لأجل وضعها لإيقاعها فيما إذا كان الداعي إليه ثبوت هذه الصفات ، أو انصراف إطلاقها إلى هذه الصورة ، فلو لم تكن هناك قرينة كان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو غيرهما بصيغتها لأجل كون الطلب والاستفهام وغيرهما قائمة بالنفس وضعا أو إطلاقا (٢).

إشكال ودفع

أمّا الإشكال : فهو أنّه يلزم ـ بناء على اتّحاد الطلب والإرادة ـ في تكليف الكفّار بالإيمان ، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان إمّا أن لا يكون هناك تكليف جدّيّ إن لم يكن هناك إرادة ، حيث إنّه لا يكون حينئذ طلب حقيقيّ ، واعتباره (٣) في الطلب الجدّيّ ربما يكون من البديهيّ ، وإن كان هناك إرادة فكيف تتخلّف عن المراد؟ ولا تكاد تتخلّف ، إذا أراد الله شيئا يقول له كن فيكون (٤).

وأمّا الدفع : فهو أنّ استحالة التخلّف إنّما تكون في الإرادة التكوينيّة ـ وهي العلم بالنظام على النحو الكامل التامّ ـ دون الإرادة التشريعيّة ـ وهي العلم

__________________

(١) فوائد الاصول (للمصنّف) : ١٧.

(٢) وفي بعض النسخ : «لأجل قيام الطلب والاستفهام وغيرهما بالنفس وضعا أو إطلاقا».

(٣) أي : اعتبار الطلب الحقيقيّ.

(٤) مقتبس من قوله تعالى في الآية (٨٢) من السورة يس.