درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۸۵: اوامر ۱۱

 

قلت : أمّا الجمل الخبريّة فهي دالّة على ثبوت النسبة بين طرفيها أو نفيها في نفس الأمر من ذهن أو خارج ، ك «الإنسان نوع» أو «كاتب».

وأمّا الصيغ الإنشائيّة فهي ـ على ما حقّقناه في بعض فوائدنا (١) ـ موجدة لمعانيها في نفس الأمر ـ أي قصد ثبوت معانيها وتحقّقها بها ـ ، وهذا نحو من الوجود ، وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبار مترتّبة عليه ـ شرعا وعرفا ـ آثار ، كما هو الحال في صيغ العقود والإيقاعات.

نعم ، لا مضايقة في دلالة مثل صيغة الطلب والاستفهام والترجّي والتمنّي بالدلالة الالتزاميّة على ثبوت هذه الصفات حقيقة ، إمّا لأجل وضعها لإيقاعها فيما إذا كان الداعي إليه ثبوت هذه الصفات ، أو انصراف إطلاقها إلى هذه الصورة ، فلو لم تكن هناك قرينة كان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو غيرهما بصيغتها لأجل كون الطلب والاستفهام وغيرهما قائمة بالنفس وضعا أو إطلاقا (٢).

إشكال ودفع

أمّا الإشكال : فهو أنّه يلزم ـ بناء على اتّحاد الطلب والإرادة ـ في تكليف الكفّار بالإيمان ، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان إمّا أن لا يكون هناك تكليف جدّيّ إن لم يكن هناك إرادة ، حيث إنّه لا يكون حينئذ طلب حقيقيّ ، واعتباره (٣) في الطلب الجدّيّ ربما يكون من البديهيّ ، وإن كان هناك إرادة فكيف تتخلّف عن المراد؟ ولا تكاد تتخلّف ، إذا أراد الله شيئا يقول له كن فيكون (٤).

وأمّا الدفع : فهو أنّ استحالة التخلّف إنّما تكون في الإرادة التكوينيّة ـ وهي العلم بالنظام على النحو الكامل التامّ ـ دون الإرادة التشريعيّة ـ وهي العلم

__________________

(١) فوائد الاصول (للمصنّف) : ١٧.

(٢) وفي بعض النسخ : «لأجل قيام الطلب والاستفهام وغيرهما بالنفس وضعا أو إطلاقا».

(٣) أي : اعتبار الطلب الحقيقيّ.

(٤) مقتبس من قوله تعالى في الآية (٨٢) من السورة يس.

بالمصلحة في فعل المكلّف ـ ، وما لا محيص عنه في التكليف إنّما هو هذه الإرادة التشريعيّة ، لا التكوينيّة. فإذا توافقتا فلا بدّ من الإطاعة والإيمان ، وإذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان.

إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان بإرادته تعالى الّتي لا تكاد تتخلّف عن المراد ، فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا.

قلت : إنّما تخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة بها مسبوقة بمقدّماتها الاختياريّة (١) ، وإلّا فلا بدّ من صدورها بالاختيار ، وإلّا لزم تخلّف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا (٢).

إن قلت : إنّ الكفر والعصيان ـ من الكافر والعاصي ـ ولو كانا مسبوقين بإرادتهما ، إلّا أنّهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف وقد سبقهما (٣) الإرادة الأزليّة والمشيئة الإلهيّة ، ومعه كيف تصحّ المؤاخذة على ما يكون بالآخرة بلا اختيار؟!

قلت : العقاب إنّما بتبعة (٤) الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدّماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتيّة اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإنّ السعيد سعيد

__________________

(١) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «لو لم يكن تعلّق الإرادة مسبوقا بمقدّماتها الاختياريّة».

(٢) وتوضيحه : أنّ الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان إنّما تخرج بتعلّق الإرادة التكوينيّة الإلهيّة عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة التكوينيّة بها مسبوقا بمقدّماتها الاختياريّة الّتي تكون في اختيار العبد. وأمّا لو كان تعلّق الإرادة التكوينيّة بهذه الامور مسبوقا بمباديها الاختياريّة فلا بدّ من صدورها بالاختيار ، فإنّ إرادته تعالى تعلّقت بفعل العبد لا مطلقا ، بل بما هو مراد للعبد. وحينئذ فإن لم تصدر الامور المذكورة عن اختيار ـ مع تعلّق إرادته تعالى بصدورها من العبد عن اختيار ـ لزم تخلّف إرادته تعالى عن مراده ، وهو محال.

(٣) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «وقد سبقتهما».

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «إنّما يتبع».