درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۸۷: اوامر ۱۳

 

في بطن أمّه والشقيّ شقيّ في بطن أمّه (١) ، والناس معادن كمعادن الذهب والفضّة (٢) ـ كما في الخبر ـ ، والذاتيّ لا يعلّل ، فانقطع سؤال أنّه لم جعل السعيد سعيدا والشقيّ شقيّا؟ فإنّ السعيد سعيد بنفسه والشقيّ شقيّ كذلك ، وإنّما أوجدهما الله تعالى «قلم اينجا رسيد سر بشكست». قد انتهى الكلام في المقام إلى ما ربما لا يسعه كثير من الأفهام ، ومن الله الرشد والهداية ، وبه الاعتصام (٣).

وهم ودفع

لعلّك تقول : إذا كانت الإرادة التشريعيّة منه تعالى عين علمه بصلاح الفعل لزم ـ بناء على أن تكون عين الطلب ـ كون المنشأ بالصيغة في الخطابات الإلهيّة هو العلم ، وهو بمكان من البطلان.

لكنّك غفلت عن أنّ اتّحاد الإرادة مع العلم بالصلاح إنّما يكون خارجا ، لا مفهوما ، وقد عرفت أنّ المنشأ ليس إلّا المفهوم (٤) ، لا الطلب الخارجيّ ، ولا غرو أصلا في اتّحاد الإرادة والعلم عينا وخارجا ، بل لا محيص عنه في جميع صفاته تعالى ، لرجوع الصفات إلى ذاته المقدّسة. قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه» (٥).

__________________

(١) التوحيد (للصدوق) : ٣٥٦ ، الحديث ٣ (باب السعادة والشقاوة).

(٢) بحار الأنوار ٥٨ : ٦٥.

(٣) لا يخفى : أنّ مسألة اتّحاد الطلب والإرادة بما هي عليه من المباحث العميقة مسألة عويصة ، تحتاج إلى وضع رسالة خاصّة والبحث عنها في الجهات المختلفة. وإن شئت فراجع نهاية الدراية ١ : ١٨٠ ـ ٢١٤ ، نهاية الأفكار ١ : ١٦٣ ـ ١٧٦ ، فوائد الاصول ١ : ١٣٠ ـ ١٣٤ ، رسالة في الطلب والإرادة (للإمام الخمينيّ) وغيرها من المطوّلات.

(٤) أي : مفهوم الطلب.

(٥) نهج البلاغة ، الخطبة الاولى.

الفصل الثاني

فيما يتعلّق بصيغة الأمر

وفيه مباحث :

المبحث الأوّل

[معنى صيغة الأمر]

أنّه ربما يذكر للصيغة معان قد استعملت فيها ، وقد عدّ منها الترجّي والتمنّي والتهديد والإنذار والإهانة والاحتقار والتعجيز والتسخير (١) ... إلى غير ذلك (٢).

وهذا كما ترى ، ضرورة أنّ الصيغة ما استعملت في واحد منها ، بل لم يستعمل إلّا

__________________

(١) الترجّي والتمنّي كقول امرئ القيس الشاعر : «ألا أيّها الليل الطويل انجل». ديوان امرئ القيس : ٤٩.

والتهديد كقوله تعالى : ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.﴾ فصّلت / ٤٠.

والإنذار كقوله تعالى : ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً.﴾ الزمر / ٨.

والإهانة كقوله تعالى : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.﴾ الدخان / ٤٩.

والاحتقار كقوله تعالى : ﴿اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ.﴾ المؤمنون / ١٠٨.

والتعجيز كقوله تعالى : ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.﴾ البقرة / ٢٣.

والتسخير كقوله تعالى : ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.﴾ البقرة / ٦٥.

(٢) كالاستعانة والتكذيب والمشورة والتسوية وغيرها.

في إنشاء الطلب (١) ، إلّا أنّ الداعي إلى ذلك (٢) كما يكون تارة هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعيّ يكون اخرى أحد هذه الامور ، كما لا يخفى.

قصارى ما يمكن أن يدّعى أن تكون الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب (٣) فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك ، لا بداع آخر منها (٤) ، فيكون إنشاء الطلب بها (٥) بعثا (٦) حقيقة ، وإنشاؤه بها تهديدا مجازا. وهذا غير كونها مستعملة في التهديد وغيره ، فلا تغفل(٧).

__________________

(١) والأولى أن يقول : «بل لم تستعمل إلّا في الطلب». والوجه في الأولويّة أنّ الظاهر من قوله : «إلّا في إنشاء الطلب» أنّ الصيغة تستعمل في إنشاء الطلب ، فالإنشائيّة داخلة في المستعمل فيه. وهذا ينافي ما ذكره في الأمر الثاني من الأمور المذكورة في المقدّمة من أنّ الإنشائيّة والإخباريّة من مقوّمات الاستعمال ، لا المستعمل فيه.

(٢) أي : إنشاء الطلب.

(٣) والأولى أن يقول : «أن تكون الصيغة موضوعة للطلب في مقام الإنشاء ...». وذلك لأنّه قد تقدّم منه أنّ الصيغ الإنشائيّة موجدة لمعانيها في نفس الأمر ، فالصيغة تتكفّل ايجاد المعنى بوجود انشائيّ. وعليه يصحّ أن يقال : «إنّ صيغة الأمر موضوعة للطلب في مقام الإنشاء ...» ، لأنّ الطلب قابل للإنشاء والإيجاد بالصيغة ، ولا يصحّ أن يقال : «إنّ صيغة الأمر موضوعة لإنشاء الطلب» ، لأنّ الصيغ الإنشائيّة موجدة لمعانيها ، فلا يكون معناها إلّا ما يقبل الوجود بها ، ولا شكّ أنّ انشاء الطلب غير قابل للإنشاء والإيجاد بالصيغة ، ضرورة أنّ الإنشاء لا يقبل الإنشاء والإيجاد مرّة اخرى ، فإذن لا يكون إنشاء الطلب معنى صيغة الأمر كي يصحّ أن يقال : «صيغة الأمر موضوعة لإنشاء الطلب».

اللهم إلّا أن يقال : إنّ اللام في قوله : «لإنشاء الطلب» ليست لام الإضافة ، بل هي لام الغاية. ومراده أنّ الصيغة موضوعة للطلب لأجل إنشائه بالصيغة. لكنّه خلاف ظاهر عبارته.

(٤) أي : من الدواعي.

(٥) أي : بالصيغة. ومرّ ما فيه.

(٦) أي : بداعي البعث.

(٧) والظاهر من المحقّق الاصفهانيّ أنّ الموضوع له صيغة الأمر هو النسبة الطلبيّة ، حيث قال : «مفاد الهيئة ـ كما هو ـ بمعنى البعث والطلب الملحوظ نسبة بين المادّة والمتكلّم والمخاطب». نهاية الدراية ١ : ٢١٤.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ هيئة الأمر انّما تدلّ على النسبة الإيقاعيّة ، فالصيغة موضوعة لإيقاع النسبة بين المبدأ والفاعل ، من دون أن تكون مستعملة في الطلب أو في التهديد أو غيرهما. فوائد الاصول ١ : ١٢٩ ـ ١٣٠. ـ