درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۳: مقدمات ۳

 

لا يقال : علي هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما في ما كان هناك مهمّان متلازمان في الترتّب على جملة من القضايا لا يكاد انفكاكهما.

فإنّه يقال : ـ مضافا إلى بعد ذلك بل امتناعه عادة ـ لا يكاد يصحّ لذلك تدوين علمين وتسميتهما باسمين ، بل تدوين علم واحد ، يبحث فيه تارة لكلا المهمّين واخرى لأحدهما ، وهذا بخلاف التداخل في بعض المسائل ، فإنّ حسن تدوين علمين كانا مشتركين في مسألة أو أزيد في جملة (١) مسائلهما المختلفة لأجل مهمّين ممّا لا يخفي (٢).

[تمايز العلوم]

وقد انقدح بما ذكرنا أنّ تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين ، لا الموضوعات (٣) ولا المحمولات (٤) ، وإلّا كان كلّ باب ـ بل كلّ مسألة ـ من كلّ علم علما على حدة ـ كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمّل ـ ، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدّد (٥) ، كما لا يكون

__________________

(١) في قوله : «في جملة» وجهان :

الأوّل : أن يكون متعلّقا بقوله : «تدوين» ، ومعناه : أنّ حسن تدوين علمين ـ كانا مشتركين في مسألة أو أزيد ـ في جملة من مسائلهما المختلفة لأجل مهمّين ممّا لا يخفي.

الثاني : أن يكون بدلا عن قوله : «أو أزيد» ومعناه : أنّ حسن تدوين علمين ـ كانا مشتركين في مسألة أو في جملة من مسائلهما المختلفة ـ لأجل مهمّين ممّا لا يخفي.

(٢) خبر عن قوله : «فإنّ».

(٣) والقول بأنّ تمايزها بتمايز الموضوعات منسوب إلى المشهور ، كما في فوائد الاصول ١ : ٢٤.

وذهب المحقّق الأصفهانيّ والمحقّق النائينيّ إلى أنّ تمايزها بتمايز الموضوعات المتحيّثة بالحيثيّة الخاصّة ، ولكن اختلفا في ما يراد من تحيّث الموضوع. راجع نهاية الدراية ١ : ١٠ ، وفوائد الاصول ١ : ٢٥ ـ ٢٦.

(٤) لم أجد من ذهب إليه. وفي المقام قولان آخران ذهب إلى أحدهما السيّد الإمام الخمينيّ وإلى الآخر السيّد المحقّق الخوئيّ ؛ فذهب الأوّل إلى أنّ تمايزها بذات العلوم ، والثاني إلى عدم انحصاره بالموضوع والأغراض. راجع مناهج الوصول : ١ : ٤٤ والمحاضرات ١ : ٢٧.

(٥) أورد عليه المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ١١ ـ ١٢.

وحدتهما سببا لأن يكون من الواحد.

ثمّ إنّه ربما لا يكون لموضوع العلم ـ وهو الكلّيّ المتّحد مع موضوعات المسائل ـ عنوان خاصّ واسم مخصوص ، فيصحّ أن يعبّر عنه بكلّ ما دلّ عليه ، بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيّته أصلا.

[موضوع علم الاصول]

وقد انقدح بذلك أنّ موضوع علم الاصول هو الكلّيّ المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة (١) ، لا خصوص الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة (٢) ، بل ولا بما هي هي (٣) ، ضرورة أنّ البحث في غير واحد من مسائله المهمّة ليس عن عوارضها.

وهو (٤) واضح لو كان المراد بالسنّة منها (٥) هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره ، كما هو المصطلح فيها ، لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمّة ـ كعمدة مباحث التعادل والترجيح ، بل ومسألة حجّيّة خبر الواحد ـ لا عنها ولا عن سائر الأدلّة.

__________________

(١) وخالفه كثير ممن تأخّر عنه. فذهب المحقّق العراقيّ إلى عدم وجود الموضوع لعلم الاصول ، لعدم جامع متصوّر في مسائل علم الاصول. وتبعه السيّد المحقّق الخوئيّ. راجع نهاية الأفكار ١ : ١٠ ، والمحاضرات ١ : ٢٨.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ موضوعه كلّ ما كان عوارضه واقعة في طريق استنباط الحكم الشرعيّ أو ما ينتهي إليه العمل. فوائد الاصول ١ : ٢٨.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ ـ تبعا لاستاذه المحقّق البروجرديّ ـ إلى أنّ موضوع علم الاصول هو الحجّة في الفقه. راجع نهاية الاصول : ١١ ، وأنوار الهداية ١ : ٢٧٠ ـ ٢٧٢.

(٢) كما ذهب إليه المحقّق القميّ في قوانين الاصول ١ : ٩.

(٣) أي : الأدلّة الأربعة بذاتها ، وهي : الكتاب والسنّة والاجماع والعقل. وهذا ما ذهب إليه صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١١ ـ ١٢.

وقريب منه ما عن بعض العامّة حيث فسّروا اصول الفقه ب «أدلّة الفقه» ـ أي الكتاب والسنّة والاجماع والقياس والاستدلال أو الاستصحاب ـ. كما في الإحكام ١ : ٩ ـ ١٠ ، واللمع : ٦.

(٤) أي : عدم كون البحث في أكثر مسائله عن عوارض الأدلّة.

(٥) أي : من الأدلّة الأربعة.