درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۶: مقدمات ۶

 

[تعريف علم الاصول]

ويؤيّد ذلك تعريف [علم] الاصول بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة (١) ، وإن كان الأولى تعريفه ب «أنّه صناعة يعرف بها القواعد الّتي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام ، أو الّتي ينتهي إليها في مقام العمل» (٢) بناء على أنّ مسألة حجّيّة الظنّ على الحكومة ومسائل الاصول العمليّة في الشبهات الحكميّة من الاصول (٣) ، كما هو كذلك ، ضرورة أنّه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمّات.

__________________

(١) كما في قوانين الاصول ١ : ٥ ، والفصول الغرويّة : ٩.

(٢) والوجه في الأولويّة خلّوه عمّا في التعريف السابق من الخلل. والعمدة لزوم خروج بعض المسائل الاصوليّة من علم الاصول ، كالظنّ الانسداديّ على الحكومة حيث لا علم بالحكم في مورده ، والاصول العمليّة في الشبهات الحكميّة حيث أنّها بنفسها أحكام شرعيّة لا أنّها واسطة في استنباطها. وإن شئت تفصيل الخلل فراجع نهاية الدراية ١ : ١٧ ـ ١٨ ونهاية الأفكار ١ : ١٩ ـ ٢٠.

ولكن لا يخفي : أنّ هذا التعريف أيضا وقع مورد النقض والابرام ، فعدل عنه تلميذه المحقّق النائينيّ إلى أنّ علم الاصول عبارة عن العلم بالكبريات الّتي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعيّ كلّي». وعدل عنه المحقّق العراقيّ أيضا وبعض من تأخّر ، فراجع فوائد الاصول ١ : ١٩ ، ونهاية الأفكار ١ : ١٩ ، وتهذيب الاصول ١ : ٥.

(٣) أي : من علم الاصول.

الأمر الثاني

[تعريف الوضع وأقسامه] (١)

__________________

(١) لا يخفى : أنّه يقع الكلام في الوضع من جهات :

الاولى : ما الوضع؟

الثانية : ما أقسامه؟

الثالثة : هل دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّة أو جعليّة؟

الرابعة : هل للألفاظ نحو مناسبة ذاتيّة توجب جعل اللفظ للمعنى أو المناسبة بينهما انّما تحصل بالجعل؟

الخامسة : هل الوضع من الامور الواقعيّة أو من الامور الاعتباريّة؟

السادسة : من الواضع؟

والمصنّف رحمه‌الله انّما تعرّض للجهتين : الاولى والثانية. وأمّا الثالثة والرابعة فأشار إليهما بقوله : «ناشئ من تخصيصه ...». وأمّا الخامسة والسادسة فلم يتعرّض لها أصلا ، بل ليس في كلامه أيّة إشارة إليهما.

أمّا الجهة الأولى : فقال المصنّف رحمه‌الله : «الوضع هو نحو اختصاص للفظ بالمعنى وارتباط خاصّ بينهما».

وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بأنّ الاختصاص والارتباط ليس وضعا ، بل أثره ، والوضع هو جعل اللفظ للمعنى وتعيينه للدلالة عليه. مناهج الوصول ١ : ٥٧.

وأمّا الجهة الثانية : فتعرّض له المصنّف رحمه‌الله حيث قال : «ثمّ إنّ الملحوظ حال الوضع ...».

وأمّا الجهة الثالثة : فربّما يقال : «إنّ دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّة». وهو المنسوب إلى سليمان بن عبّاد الصيمريّ. ولكنّه ـ على فرض صحّة أصل النسبة ـ متفرّد فيه ، بل المتّفق عليه أنّه ليست دلالتها ذاتيّة وإلّا يعرفها كلّ أحد. والمصنّف رحمه‌الله أشار إلى عدم ذاتيّة دلالتها ـ

[تعريف الوضع]

الوضع هو نحو اختصاص للّفظ بالمعنى وارتباط خاصّ بينهما ، ناشئ من تخصيصه به تارة ومن كثرة استعماله فيه اخرى ؛ وبهذا المعنى صحّ تقسيمه إلى التعيينيّ والتعيّنيّ ، كما لا يخفى.

[أقسام الوضع]

ثمّ إنّ الملحوظ حال الوضع إمّا يكون معنى عامّا فيوضع اللفظ له تارة ولأفراده ومصاديقه اخرى ، وإمّا يكون معنى خاصّا لا يكاد يصحّ إلّا وضع اللفظ

__________________

ـ بقوله : «ناشئ من تخصيصه ...».

وأمّا الجهة الرابعة : فأوّل من تعرّض لها بالصراحة هو المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ١ : ٣٠ ـ ٣١ ، فذهب إلى أنّ للألفاظ نحو مناسبة ذاتيّة لمعانيها توجب وضعها لمعانيها ، وإن كانت تلك المناسبة مجهولة.

وأنكره ـ أشدّ الإنكار ـ المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٢٤ ـ ٢٥ ، وذهب إلى عدم وجود مناسبة ذاتيّة بينهما ، كما أنكره السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ١ : ٣٥ ـ ٣٦.

وفي كلام المصنّف رحمه‌الله : «ناشئ من تخصيصه ...» تلويح إلى أنّ العلقة والمناسبة تحصل بالوضع. واختاره السيّد الإمام الخمينيّ على ما في تنقيح الاصول ١ : ٢٩.

وأمّا الجهة الخامسة : فتعرّض له تلميذه المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٢٠ ـ ٢٢ ، فذهب إلى أنّ الوضع من الامور الاعتباريّة ، وهو أمر مباشريّ قائم بالمعتبر بالمباشرة.

وخالفه المحقّق العراقيّ وذهب إلى أنّ الوضع من الامور الواقعيّة ، بمعنى أنّ صقعها قبل وجود اللفظ في الخارج وإن لا يكون إلّا الذهن ، إلّا أنّها بنحو ينال العقل خارجيّتها عند وجود طرفيها تبعا لها بنحو القضيّة الحقيقيّة ، فلو وجد اللفظ وجد العلاقة. نهاية الأفكار ١ : ٢٦.

وأمّا الجهة السادسة : فتعرّض له المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ١ : ٣٠. وذهب إلى أنّ الواضع هو الله تعالى بتوسيط الوحي إلى أنبيائه أو الإلهام منه إلى البشر أو الابداع في طباعهم.

وأورد عليه السيّد الخوئيّ في المحاضرات ١ : ٣٥ ـ ٣٨ ، ثمّ اختار أنّ الواضع لا ينحصر بشخص واحد أو جماعة معيّنة.

له دون العامّ ، فتكون الأقسام ثلاثة (١). وذلك لأنّ العامّ يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك (٢) ، فإنّه من وجوهها ، ومعرفة وجه الشيء معرفته بوجه ؛ بخلاف الخاصّ ، فإنّه ـ بما هو خاصّ ـ لا يكون وجها للعامّ ولا لسائر الأفراد ، فلا تكون معرفته وتصوّره معرفة له ، ولا لها أصلا ، ولو بوجه.

نعم ربما يوجب تصوّره تصوّر العامّ بنفسه ، فيوضع له اللفظ (٣) ، فيكون الوضع عامّا كما كان الموضوع له عامّا (٤). وهذا بخلاف ما في الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ ، فإنّ الموضوع له ـ وهي الأفراد ـ لا يكون متصوّرا إلّا بوجهه وعنوانه ، وهو العامّ (٥) ، وفرق واضح بين تصوّر الشيء بوجهه وتصوّره بنفسه ولو كان بسبب تصوّر أمر آخر.

ولعلّ خفاء ذلك على بعض الأعلام (٦) وعدم تمييزه بينهما كان موجبا لتوهّم إمكان ثبوت قسم رابع ، وهو أن يكون الوضع خاصّا مع كون الموضوع له عامّا. مع أنّه واضح لمن كان له أدنى تأمّل.

ثمّ إنّه لا ريب في ثبوت الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ ، كوضع الأعلام (٧). وكذا الوضع العامّ والموضوع له العامّ (٨) ، كوضع أسماء الأجناس. وأمّا

__________________

(١) أي : تكون الأقسام الّتي يمكن وقوعها ثلاثة.

(٢) أي : بما هو عامّ ولا بشرط.

(٣) أي : يوضع اللفظ للعامّ المتصوّر بتصوّر الخاصّ.

(٤) أي : فيكون الملحوظ حال الوضع عامّا ويوضع اللفظ لذلك العامّ.

(٥) ولا يخفى : أنّ العامّ بما أنّه عامّ لا يمكن أن يكون مرآة للخاصّ بما هو خاصّ ، ضرورة أنّ الإنسان بما أنّه إنسان لا يحكي إلّا عن الإنسانيّة الصرفة ، نعم إذا تصوّرناه بما أنّه صادق على الأفراد يحكي عنها إجمالا.

(٦) وهو المحقّق الرشتيّ في بدائع الأفكار : ٤٠.

(٧) والسيّد الإمام الخمينيّ تأمّل في كون الوضع في الأعلام الشخصيّة من الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ ، بل التزم بأنّها موضوعة للماهيّة الكلّيّة الّتي لا تنطبق إلّا على الفرد الواحد. راجع مناهج الوصول ١ : ٦٧.

(٨) وقسّمه المحقّق العراقيّ إلى قسمين : ١ ـ أن يلحظ المعنى العامّ مستقلّا ويضع اللفظ بإزائه.

٢ ـ أن يلحظ المعنى المنتزع عن الجهة المشتركة بين الأفراد الذهنيّة ويضع اللفظ بإزائه. ـ