درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۱: مقدمات ۱۱

 

إن قلت : على هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى ، ولزم كون مثل كلمة «من» ولفظ «الابتداء» مترادفين (١) صحّ استعمال كلّ منهما في موضع الآخر ، وهكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها ، وهو باطل بالضرورة ، كما هو واضح.

قلت : الفرق بينهما إنّما هو في اختصاص كلّ منهما بوضع ، حيث إنّه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه ، والحرف ليراد منه معناه لا كذلك ، بل بما هو حالة لغيره ، كما مرّت الإشارة إليه غير مرّة. فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر وإن اتّفقا فيما له الوضع (٢). وقد عرفت بما لا مزيد عليه : أنّ نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن

__________________

ـ وأمّا المحقّق العراقيّ : فوافق المصنّف في الشقّ الأوّل ، ولكن لا بالمعنى المشهور ، بل بمعنى أنّ الموضوع له في الحروف ـ في كلّ صنف منها ـ عبارة عن الجامع بين أشخاص تلك الروابط. نهاية الأفكار ١ : ٥٣ ـ ٥٤.

وهذه الأقوال كلّها وقع مورد النقض والابرام بين الأعلام الثلاثة ومن تأخّر عنهم ، سيّما السيّد الامام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ، فإنّهما ـ بعد التأمّل فيما أفاده الأعلام الثلاثة ـ ذهبا إلى كون الوضع في الحروف عامّا والموضوع له خاصّا ، فراجع مناهج الوصول ١ : ٦٨ ـ ٨٥ ، والمحاضرات ١ : ٥٤ ـ ٨٢.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «مترادفا».

(٢) توضيحه : أنّه لا فرق بين الاسم والحرف في المدلول التصوّري الّذي وضع اللفظ بإزائه ، فإنّ المدلول التصوّريّ في الاسم والحرف ليس إلّا ذات المعنى ، وهو الموضوع له فيهما ، فكلمة «من» و «الابتداء» ـ مثلا ـ لا تدلّان بالدلالة التصوّريّة إلّا على ذات الابتداء العامّ. وإنّما الفرق بينهما في المدلول التصديقيّ ـ أي الّذى أراده الواضع في مقام استعمالهما ، وهو في الاسم ذاك المعنى بما هو هو وفي نفسه وفي الحرف نفس المعنى بما هو حالة لغيره ـ ، فالاختلاف بينهما في المدلول التصديقيّ يوجب عدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر ، وإن اتّفقا في المدلول التصوّري الّذي وضعا فيه مشتركا.

ويظهر أنّ مراد المصنّف رحمه‌الله من قوله : «فى الوضع» هو المدلول التصديقيّ ، كما أنّ مراده من قوله : «فيما له الوضع» هو المدلول التصوّريّ.

أن يكون من خصوصيّاته (١) ومقوّماته (٢).

[الوضع في الخبر والإنشاء]

ثمّ لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والإنشاء أيضا كذلك ، فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه ، والإنشاء ليستعمل في قصد تحقّقه وثبوته ، وإن اتّفقا فيما استعملا فيه (٣) ، فتأمّل (٤).

[الوضع في أسماء الإشارة والضمائر]

ثمّ إنّه قد انقدح ممّا حقّقناه أنّه يمكن أن يقال : إنّ المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة والضمائر أيضا عامّ ، وإنّ تشخّصه إنّما نشأ من قبل طور استعمالها (٥) ، حيث إنّ أسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها ، وكذا بعض الضمائر ، وبعضها ليخاطب به المعنى (٦) ، والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخّص ، كما لا يخفى. فدعوى : «أنّ المستعمل فيه في مثل هذا ، أو هو ، أو إيّاك ، إنّما هو المفرد المذكّر ،

__________________

(١ و ٢) الضمير فيهما يرجع إلى المعنى الموضوع له.

(٣) والحاصل : أنّ الإخباريّة والإنشائيّة من مقوّمات المدلول التصديقيّ في مقام الاستعمال ، وإلّا فالخبر والإنشاء اتّفقا في المدلول التصوّريّ الّذي هو الموضوع له.

(٤) ولعلّ وجه التأمّل ما أورده عليه بعض من تأخّر عنه ، فراجع نهاية الدراية ١ : ٣٤ ـ ٣٥ ، نهاية الأفكار ١ : ٥٤ ـ ٥٨ ، محاضرات في الاصول ١ : ٨٥ ـ ٨٩.

(٥) فالموضوع له والمستعمل فيه فيها عامّ كالوضع.

ووافقه تلميذه المحقّق العراقيّ وقال بامكان تصوير عموميّة الموضوع له فيها بالمعنى الّذي تصوّره في الوضع والموضوع له ـ كما مرّ ـ ، بل بالمعنى الّذي هو المشهور. فراجع نهاية الأفكار ١ : ٦٠ ـ ٦١.

وخالفه المحقّق الاصفهانيّ والسيّدان المحقّقان : الخوئيّ والخمينيّ رحمهما‌الله ، وذهبوا إلى أنّ الوضع فيها عامّ والموضوع له خاصّ. فراجع نهاية الدراية ١ : ٣٦ ، ومحاضرات في اصول الفقه ١ : ٩٠ ـ ٩١. ومناهج الوصول ١ : ٩٨.

(٦) وفي بعض النسخ : «ليخاطب بها المعنى» والتأنيث باعتبار المضاف إليه.

وتشخّصه إنّما جاء من قبل الإشارة أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه ، فإنّ الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلّا إلى الشخص أو معه» غير مجازفة.

[حاصل الكلام]

فتلخّص ممّا حقّقناه : أنّ التشخّص الناشئ من قبل الاستعمالات لا يوجب تشخّص المستعمل فيه ، سواء كان تشخّصا خارجيّا ـ كما في مثل أسماء الإشارة ـ أو ذهنيّا ـ كما في أسماء الأجناس والحروف ونحوهما ـ ، من غير فرق في ذلك أصلا بين الحروف وأسماء الأجناس ، ولعمري هذا واضح. ولذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصّا في الحرف عين ولا أثر ، وإنّما ذهب إليه بعض من تأخّر (١). ولعلّه لتوهّم كون قصده بما هو في غيره من خصوصيّات الموضوع له أو المستعمل فيه ، والغفلة من أنّ قصد المعنى من لفظه على أنحائه لا يكاد يكون من شئونه وأطواره ، وإلّا فليكن قصده بما هو هو وفي نفسه كذلك. فتأمّل في المقام ، فإنّه دقيق وقد زلّ فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق والتدقيق.

__________________

(١) منهم صاحب القوانين في القوانين ١ : ١٠ ، وصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٦ ، والمحقّق الشريف في تعليقته على المطوّل : ٣٧٤.