درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۲۶: مقدمات ۲۶

 

[٢ ـ معنى الصحّة والفساد]

ومنها : أنّ الظاهر أنّ الصحّة عند الكلّ بمعنى واحد ، وهو التماميّة. وتفسيرها بإسقاط القضاء ـ كما عن الفقهاء ـ أو بموافقة الشريعة ـ كما عن المتكلّمين ـ أو غير ذلك إنّما هو بالمهمّ من لوازمها (١) ، لوضوح اختلافه (٢) بحسب اختلاف الأنظار. وهذا لا يوجب تعدّد المعنى ، كما لا يوجبه اختلافها بحسب الحالات من السفر والحضر والاختيار والاضطرار إلى غير ذلك ، كما لا يخفى.

ومنه ينقدح : أنّ الصحّة والفساد أمران إضافيّان (٣) ، فيختلف شيء واحد صحّة وفسادا بحسب الحالات ، فيكون تامّا بحسب حالة وفاسدا بحسب اخرى ، فتدبّر جيّدا.

[٣ ـ لزوم قدر جامع على القولين]

ومنها : أنّه لا بدّ على كلا القولين من قدر جامع في البين كان هو المسمّى بلفظ كذا(٤).

__________________

(١) وأورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ حيثيّة القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ليست من لوازم التماميّة بالدقّة ، بل هي من الحيثيّات الّتي يتمّ بها حقيقة التماميّة حيث لا رافع للتماميّة إلّا التماميّة من حيث إسقاط القضاء أو من حيث موافقة الأمر وغيرهما ، واللازم ليس من متمّمات معنى ملزومه. نهاية الدراية ١ : ٥٨ ـ ٥٩.

وأجاب عنه السيّد المحقّق الخوئيّ بأنّ للتماميّة واقعيّة مستقلّة هي : جامعيّة الأجزاء والشرائط ، فلها واقعيّة قطع النظر عن إسقاط القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ، وليست هذه الامور إلّا من آثار التماميّة ولوازمها. محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٣٥ ـ ١٣٦.

ولكن لا يخفى ما فيه ، فإنّ الجامعيّة والتماميّة والصحّة أوصاف وجوديّة تعرض الشيء الموجود ، فهي كيفيّات عرضيّة ، والأعراض لا واقع لها مستقلّا حتّى تكون موجودة في نفسه لنفسه ، بل هي وجودات غير مستقلّة ومن نوع الوجود في نفسه لغيره ، فإسقاط القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ليست من مقوّمات التماميّة ولا من آثارها ولوازمها ، بل هي من آثار الشيء الموجود المتّصف بالتماميّة.

(٢) أي : اختلاف المهمّ.

(٣) وقد خالفه السيّد الإمام الخمينيّ وذهب إلى أنّ الصحّة والفساد كيفيّتان وجوديّتان عارضتان للشيء في الوجود الخارجيّ وبينهما تقابل التضادّ. مناهج الوصول ١ : ١٤٣ ـ ١٤٤.

(٤) وخالفه المحقّق النائيني وذهب إلى أنّه لا ضرورة تدعو إلى تصوير جامع وحدانيّ ـ

ولا إشكال في وجوده بين الأفراد الصحيحة ، وإمكان الإشارة إليه بخواصّه وآثاره (١) ، فإنّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثّر الكلّ فيه (٢) بذاك الجامع (٣) ، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة ـ مثلا ـ ب «الناهية عن الفحشاء» و «ما هو معراج المؤمن» ونحوهما (٤).

__________________

ـ يشترك فيه جميع الأفراد ، بل يمكن الالتزام بوضع لفظ العبادة ـ كالصلاة ـ في المرتبة العليا من مراتبها بالخصوص ، وهي المرتبة الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط ـ أي الصلاة المختارة ـ. فالموضوع له على قول الصحيحيّ أو الأعمىّ هو المرتبة العليا. ويستعمل اللفظ في غيرها على كلا القولين ـ من الادّعاء والتنزيل ـ ، غاية الأمر أنّ الصحيحيّ يدّعي أنّ استعمال لفظ الصّلاة في بقيّة المراتب الصحيحة من باب الادّعاء وتنزيل الفاقد منزلة الواجد أو من باب الاشتراك في الأثر ، والأعمّي يدّعي أنّ استعماله في بقيّة مراتب الصّلاة من باب العناية والتنزيل أو الاشتراك في الأثر. أجود التقريرات ١ : ٣٦.

ولا يخفى : أنّ المرتبة العليا من كلّ عبادة هي العبادة المأمور بها ، وهي تختلف باختلاف الأصناف والأحوال ، فلا بدّ من تصوير الجامع الّذي يكون اللفظ موضوعا بإزائه.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «بخواصّها وآثارها» فإنّ الضميرين يرجعان إلى الأفراد الصحيحة. والأولى أن يقول : «وإمكان الإشارة إليه ـ أي إلى الجامع ـ بخواصّها وآثارها المشتركة».

(٢) أي : في ذلك الأثر.

(٣) وهو لقاعدة فلسفيّة ، هي : «الواحد لا يصدر إلّا من الواحد».

(٤) نحو : «ما هو قربان كلّ تقيّ» و «ما هو عمود الدين».

وقد خالفه الأعلام الثلاثة :

أمّا المحقّق الاصفهانيّ فخالفه وأورد عليه بوجوه :

الأوّل : أنّه لا يتصوّر وجود جامع ذاتيّ مقوليّ لأفراد الصّلاة ، لأنّها مؤلّفة من مقولات متباينة لا تندرج تحت مقولة واحدة ، فإنّ المقولات أجناس عالية لا جنس فوقها.

الثاني : أنّه لو فرض وجود الجامع البسيط المقوليّ المتّحد مع الأفراد الخارجيّة يلزم منه اتّحاد البسيط مع المركّب ، وهو ممتنع.

الثالث : أنّ النهي عن الفحشاء أثر واحد عنوانا لا حقيقة ، لاختلاف أنحائه حقيقة باختلاف مراتب أنحاء الفحشاء ، فهو لا يكشف عن وحدة المؤثّر حقيقة.

الرابع : أنّه لو كان الجامع المقوليّ الذاتيّ معقولا لم يكن مختصّا بالصحيحيّ ، بل يعمّ الأعميّ ، لأنّ مراتب الصحيحة والفاسدة متداخلة حيث أنّ ذات الأجزاء والشرائط قابلة للصحّة والفساد بلحاظ اختلاف حالها. ـ

والإشكال فيه (١) : ب «أنّ الجامع لا يكاد يكون أمرا مركّبا ، إذ كلّ ما فرض جامعا يمكن أن يكون صحيحا وفاسدا ، لما عرفت. ولا أمرا بسيطا ، لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون هو عنوان المطلوب أو ملزوما مساويا له (٢) ، والأوّل غير معقول ، لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتّى (٣) إلّا من قبل الطلب في متعلّقه ؛ مع لزوم الترادف بين لفظة الصّلاة والمطلوب ؛ وعدم جريان البراءة مع الشكّ في أجزاء العبادات وشرائطها ، لعدم الإجمال حينئذ في المأمور به فيها ، وإنّما الإجمال فيما يتحقّق به ، وفي مثله لا مجال لها ـ كما حقّق في محلّه ـ ، مع أنّ المشهور القائلين بالصحيح قائلون بها في الشكّ فيها. وبهذا يشكل لو كان البسيط هو ملزوم المطلوب أيضا».

مدفوع : بأنّ الجامع إنّما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركّبات المختلفة

__________________

ـ ثمّ ذكر وجها للجامع الصحيحيّ ، حاصله : أنّ الجامع لا ينحصر في الجامع المقوليّ والعنوانيّ ، بل لنا أن نلتزم بثبوت جامع آخر للأفراد الصحيحة ، وهو سنخ عمل مبهم مركّب من جملة أجزاء يعرّفه جهة نهيه عن الفحشاء ، وبذلك يقتصر في صدقه على خصوص الأفراد الصحيحة. نهاية الدراية ١ : ٦١ ـ ٦٤.

وأمّا المحقّق العراقيّ ـ بعد ملاحظة ما في كلام المصنّف رحمه‌الله وعدم ارتضائه بما ذكره المحقّق الاصفهانيّ ـ فصوّر الجامع ببيان آخر ، حاصله : أنّ الجامع لا ينحصر في المقوليّ والعنوانيّ ، بل لنا فرض جامع آخر ، وهو المرتبة الخاصّة من الوجود الساري في المقولات المتباينة ماهيّة. بدائع الأفكار ١ : ١١٦ ـ ١١٨.

وأمّا المحقّق النائينيّ فهو ـ بعد ذكر ما يرد على الجامع الصحيحيّ الّذي صوّره المحقّق الخراسانيّ ـ أنكر وجود الجامع الصحيحيّ. فوائد الاصول ١ : ٦٥ ـ ٧٤.

وفي كلماتهم بعض ملاحظات ذكر بعضها السيّدان العلمان : الخوئيّ والخمينيّ ، فراجع المحاضرات ١ : ١٤٤ ـ ١٥٥ ، ومناهج الوصول ١ : ١٤٨ ـ ١٥٥.

(١) والمستشكل هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في تقريرات بحثه ، فراجع مطارح الأنظار : ٦.

(٢) وفي مطارح الأنظار : ٦ : «أو ما هو في مرتبته أو ملزوما مساويا له». ثمّ أورد الإشكال الأوّل «لبداهة ...» والثاني «مع لزوم الترادف ...» على فرض كون الجامع عنوان المطلوب أو ما هو في مرتبته. وأورد الإشكال الثالث «وعدم جريان البراءة ...» على فرض كونه ملزوما مساويا له.

(٣) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «يأتي».