درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۴۰: مقدمات ۴۰

 

عليها ، وكلاهما غير لائق بكلامه تعالى ، كما لا يخفى. وذلك (١) لعدم لزوم التطويل فيما كان الاتّكال على حال أو مقال اتي به لغرض آخر ؛ ومنع كون الإجمال غير لائق بكلامه تعالى مع كونه ممّا يتعلّق به الغرض ، وإلّا لما وقع المشتبه في كلامه ، وقد أخبر في كتابه وقوعه فيه ، قال الله تعالى : ﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ (٢).

وربما توهّم وجوب وقوع الاشتراك في اللغات (٣) ، لأجل عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ المركّبات ، فلا بدّ من الاشتراك فيها.

وهو فاسد ، لوضوح امتناع الاشتراك في هذه المعاني ، لاستدعائه الأوضاع الغير المتناهية (٤) ؛ ولو سلّم (٥) لم يكد يجدي إلّا في مقدار متناه (٦) ؛ مضافا إلى تناهي المعاني الكلّيّة ، وجزئيّاتها وإن كانت غير متناهية إلّا أنّ وضع الألفاظ بإزاء كلّيّاتها يغني عن وضع لفظ بإزائها ، كما لا يخفى ؛ مع أنّ المجاز باب واسع (٧) ، فافهم (٨).

__________________

(١) أي : وعدم استحالة استعمال المشترك في القرآن.

(٢) آل عمران / ٧.

(٣) كما توهّمه الفيّوميّ في فصل الجمع من خاتمة المصباح المنير : ٩٥٦.

(٤) وصدورها من واضع متناه محال.

(٥) بأن يقال : «الأوضاع غير المتناهية ممكنة ، لأنّ الواضع هو الله تعالى».

(٦) لأنّه وإن فرض أنّ الواضع هو الله تعالى ، وهو قادر على أوضاع غير متناهية ، إلّا أنّ مستعملها هو البشر ، وهو لا يقدر إلّا على استعمال ألفاظ متناهية في معاني متناهية ، فالوضع زائدا على ما يقدر البشر على استعمالها لغو ولا يصدر من الواضع الحكيم.

(٧) فيجوز أن يوضع الألفاظ لمعاني متناهية ، ويستعمل في غيرها مجازا.

(٨) لعلّه إشارة إلى ما أورد عليه تلميذه المحشّي المشكينيّ من أنّه لا بدّ في المجازيّة من المناسبة المصحّحة للاستعمال طبعا أو وضعا ، وإذا فرض كون المعاني الموضوع لها متناهية فالمناسب لها لا يكون إلّا متناهيا ، فلا ينفع كون المجاز بابا واسعا.

الثاني عشر

[استعمال اللفظ في أكثر من معنى]

أنّه قد اختلفوا في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى على سبيل الانفراد والاستقلال ـ بأن يراد منه كلّ واحد كما إذا لم يستعمل إلّا فيه (١) ـ على أقوال (٢).

__________________

(١) توضيحه : أنّ في استعمال اللفظ في أكثر من معنى وجهين :

الأوّل : أن يكون المراد منه استعمال اللفظ في معان متعدّدة مستقلّة بكشف واحد واستعمال واحد ، نظير العامّ الاستغراقيّ الّذي يستعمل ويراد به كلّ فرد فرد بلا ارتباط بغيره من الأفراد ويجعل اللفظ العامّ كاشفا عن الجميع. ولا شكّ أنّ هذا بمكان من الإمكان ، ضرورة صحّة استعمال العامّ وإرادة أفراده بنحو الشمول.

الثاني : أن يكون المراد منه استعماله في كلّ معنى بنحو الاستقلال ، بأن يكون اللفظ مرآة لكلّ من المعاني مستقلّا ، فيكون مستعملا في كلّ منها ، والاستعمال الواحد بمنزلة استعمالين أو أكثر ، فيدلّ على كلّ واحد منها كما إذا لم يدلّ عليه فقط. هذا هو محلّ البحث في المقام.

(٢) ذهب المصنّف ـ تبعا لصاحبي الفصول والقوانين ـ إلى عدم إمكانه عقلا. وتبعه الأعلام الثلاثة : المحقّق الاصفهانيّ والمحقّق النائينيّ والمحقّق العراقيّ. فراجع الفصول الغرويّة : ٥٤ ، قوانين الاصول ١ : ٧٠ ، نهاية الدراية ١ : ١٠١ ـ ١٠٥ ، أجود التقريرات ١ : ٥١ ، نهاية الأفكار ١ : ١٠٨ ـ ١٠٩.

وخالفهم الشيخ المحقّق الحائريّ والسيّد البروجرديّ ، فذهبا إلى جوازه عقلا وعرفا. وتبعهما تلميذهما السيّد الإمام الخمينيّ. فراجع درر الفوائد ١ : ٢٥ ، نهاية الاصول : ٥٣ ، مناهج الوصول ١ : ١٨٠.

وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى جوازه عقلا ومنعه عرفا. راجع المحاضرات ١ : ٢٠٨ ـ ٢١٠ و ٢١٥. ـ

أظهرها عدم جواز الاستعمال في الأكثر عقلا. وبيانه : أنّ حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى ، بل جعله وجها وعنوانا له ، بل بوجه نفسه كأنّه الملقى (١) ، ولذا يسري إليه قبحه أو حسنه (٢) ، كما لا يخفى. ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك (٣) إلّا لمعنى واحد ، ضرورة أنّ لحاظه (٤) هكذا في إرادة معنى ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر ، حيث إنّ لحاظه كذلك لا يكاد يكون إلّا بتبع لحاظ المعنى فانيا فيه فناء الوجه في ذي الوجه والعنوان في المعنون ، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه (٥) كذلك في استعمال واحد؟ مع استلزامه (٦)

__________________

ـ ثمرة النزاع :

لا يخفى : أنّ هذه المسألة من المسائل المهمّة الّتي لها آثار عمليّة في الفقه. ومن مظاهر ثمرة البحث عن هذه المسألة قوله تعالى : ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ النساء / ٢٣ ، فإنّ في كلمة «من» وجوه :

الأوّل : أن تكون متعلّقة ب «نسائكم» في قوله تعالى : ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾. وعليه يكون معناها : وامّهات نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ حرام عليكم. فلا تدلّ الآية على تقيّد حرمة الربائب بالدخول في النساء.

الثاني : أن تكون متعلّقة بقوله تعالى : ﴿رَبائِبُكُمُ﴾ ، وعليه يكون معناها : ربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ حرام. فالآية انّما تدلّ على تقيّد حرمة الربائب بالدخول في النساء ، وأمّا امّهات النساء مطلقة.

الثالث : أن تكون متعلّقة بهما معا ، فكانت كلمة «من» مستعملة في معنيين.

فإذا بني على جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى أمكن البناء على تعلّقها بهما معا ، وتثبت حينئذ أنّ حرمة امّهات النساء وربائب النساء مقيّدة بالدخول في النساء. وإذا بني على امتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى لا يمكن البناء على تعلّقها بهما ، بل لا بدّ من حملها إمّا على الوجه الأوّل وإمّا على الوجه الثاني.

(١) أي : بل كان اللفظ بوجه نفس المعنى بحيث إذا ألقاه المتكلّم كأنّه ألقى نفس المعنى ، فاللفظ مرآة للمعنى وفان فيه فناء الوجه في ذي الوجه.

(٢) أي : ولمّا كان اللفظ وجه المعنى فيسري إلى اللفظ قبح المعنى أو حسنه.

(٣) أي : وجها وعنوانا للمعنى.

(٤) أي : لحاظ اللفظ.

(٥) أي : مع المعنى الأوّل.

(٦) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «استلزامها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى «إرادة».