درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۴۴: مقدمات ۴۴

 

والتثنية والجمع في الأعلام (١) إنّما هو بتأويل المفرد إلى المسمّى بها (٢). مع أنّه لو قيل بعدم التأويل وكفاية الاتّحاد في اللفظ في استعمالهما حقيقة ، بحيث جاز إرادة عين جارية وعين باكية من تثنية «العين» حقيقة ، لما كان هذا من باب استعمال اللفظ في الأكثر ، لأنّ هيئتهما (٣) إنّما تدلّ على إرادة المتعدّد ممّا يراد من مفردهما ، فيكون استعمالهما وإرادة المتعدّد من معانيه (٤) استعمالهما في معنى واحد ، كما إذا استعملا واريد المتعدّد من معنى واحد منهما ، كما لا يخفى.

نعم لو اريد ـ مثلا ـ من «عينين» فردان من الجارية وفردان من الباكية كان من استعمال العينين في المعنيين ، إلّا أنّ حديث التكرار لا يكاد يجدي في ذلك أصلا ، فإنّ فيه إلغاء قيد الوحدة المعتبرة أيضا ، ضرورة أنّ التثنية عنده إنّما يكون لمعنيين أو لفردين بقيد الوحدة. والفرق بينهما وبين المفرد إنّما يكون في أنّه موضوع للطبيعة ، وهي موضوعة لفردين منها أو معنيين ، كما هو أوضح من أن يخفى.

وهم ودفع

لعلّك تتوهّم أنّ الأخبار الدالّة على أنّ للقرآن بطونا سبعة (٥) أو سبعين (٦) تدلّ

__________________

(١) إشارة إلى إشكال مقدّر ، حاصله : أنّ ما ذكرتم في التثنية والجمع لا يتمّ في تثنية الأعلام ولا في جمعها ، لأنّ المراد من المثنّى في الأعلام هو معنيان ، إذ كلّ لفظ من مفردها وضع لما هو مباين للموضوع له الآخر ، فإنّ كلمة «زيدين» ـ مثلا ـ يستعمل ويراد به معنيان ، لا فردان من معنى واحد.

(٢) أي : بالأعلام. هذا دفع الإشكال المذكور ، وحاصله : أنّ الأعلام الّتي تلحقها علامة التثنية والجمع ليست مستعملة في معانيها الحقيقيّة الّتي لا تقبل التعدّد ، بل تستعمل في معنى مجازيّ ـ وهو «المسمّى» ـ ثمّ تثنّى وتجمع ، فعلامة التثنية والجمع ترد على المسمّى ويكون معنى قولنا : «زيدان» فردين من المسمّى بلفظ «زيد».

(٣) وهي : الألف والنون أو الواو والنون.

(٤) أي : معاني المفرد.

(٥) بحار الأنوار ٩٢ : ٧٨ ـ ١٠٦ ، الكافي ٢ : ٥٩٩.

(٦) لم أعثر على رواية تدلّ على أنّ للقرآن سبعين بطنا.

على وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فضلا عن جوازه.

ولكنّك غفلت عن أنّه لا دلالة لها أصلا على أنّ إرادتها كان (١) من باب إرادة المعنى من اللفظ ، فلعلّه كان بإرادتها في أنفسها حال الاستعمال في المعنى (٢) ، لا من اللفظ كما إذا استعمل فيها (٣) ، أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ ، وإن كان أفهامنا قاصرة عن إدراكها.

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «كانت».

(٢) أي : حال استعمال اللفظ في المعنى الواحد ، بحيث يكون اللفظ قالبا له وحده وعلامة للباقي.

(٣) أي : لا بإرادة تلك البطون والمعاني من اللفظ كما إذا استعمل اللفظ فيها.

الثالث عشر

[في المشتقّ]

أنّه اختلفوا في أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص ما تلبّس بالمبدإ في الحال أو فيما يعمّه وما انقضى عنه (١) على أقوال ، بعد الاتّفاق على كونه مجازا فيما يتلبّس

__________________

(١) لا يخفى : أنّه وقع الخلاف بين الاصوليّين في موضوع النزاع.

فقد يقال : إنّ النزاع في أمر لغويّ ، فيبحث عن وضع المشتقّ لخصوص المتلبّس بالمبدإ فعلا أو وضعه لأعمّ منه وما انقضى عنه المبدأ.

وقد يقال : إنّ النزاع عقليّ ، لأنّ المبحوث عنه هو صحّة إطلاق المشتقّ على الأعمّ وعدمها بعد التسالم على الموضوع له.

ذهب الأكثر إلى الأوّل. قال المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ١١٣ : «الظاهر هو الأوّل ، كما تفصح عنه كلمات القوم عن قديم الزمان إلى اليوم ، فإنّ الحقيقة والمجاز المذكورين في عنوان النزاع من شئون الاستعمال ولا ربط لهما بالصدق والإطلاق».

ونسب القول الثاني إلى المحقّق الطهرانيّ صاحب محجّة العلماء ، فراجع نهاية الدراية ١ : ١١٣.

والتحقيق : أنّه لا معنى لكون النزاع عقليّا ، وذلك لأنّ صحّة الإطلاق وعدمها إمّا يرجع إلى أنّ المشتقّ ـ وهو عنوان انتزاعيّ ـ هل يمكن انتزاعه من الذات المنقضى عنها التلبّس كما يمكن انتزاعه من الذات المتلبّسة بالمبدإ فعلا أو لا؟ ولا شكّ أنّه لا مجال للنزاع فيه ، ضرورة أنّ العقل يمنع عن إمكان انتزاع المشتقّ من الذات بعد ارتفاع منشأ انتزاعه ـ أي المبدأ ـ ، لأنّ العناوين الانتزاعيّة معاليل لمناشئ انتزاعها.

وإمّا يرجع إلى أنّ صدق المشتقّ على المنقضى عنه المبدأ هل هو بنحو الحقيقة أو المجاز؟ وهذا أيضا ممّا لا مجال للنزاع فيه ، لأنّ الصدق على نحو الحقيقة أو المجاز ـ

به في الاستقبال.

وقبل الخوض في المسألة ، وتفصيل الأقوال فيها ، وبيان الاستدلال عليها ينبغي تقديم امور :

أحدها : [المراد من المشتقّ]

انّ المراد بالمشتقّ هاهنا ليس مطلق المشتقّات (١) ، بل خصوص ما يجري منها على الذوات ممّا يكون مفهومه منتزعا عن الذات بملاحظة اتّصافها بالمبدإ واتّحادها معه بنحو من الاتّحاد ، كان بنحو الحلول (٢) أو الانتزاع (٣) أو الصدور (٤) والإيجاد (٥) ، كأسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبّهات ، بل وصيغ المبالغة وأسماء الأزمنة والأمكنة والآلات ، كما هو ظاهر العنوانات وصريح بعض المحقّقين (٦). مع عدم صلاحيّة ما يوجب اختصاص النزاع بالبعض إلّا التمثيل به ،

__________________

ـ تابع للموضوع له سعة وضيقا ، فإن كان الموضوع له المشتقّ خصوص المتلبّس بالمبدإ فعلا كان صدقه على المنقضى عنه المبدأ مجازا ، وإن كان الموضوع له المشتقّ الأعمّ منه وممن انقضى عنه المبدأ كان صدقه على المنقضى عنه المبدأ حقيقة.

(١) المشتقّ يطلق لغة على مطلق أخذ شيء من شيء. ويطلق في اصطلاح الادباء على لفظ يؤخذ من لفظ آخر. فالمشتقّ على إطلاقيه يشمل المصادر المزيد فيها والأفعال. ولكن المراد من المشتقّ في المقام هو خصوص ما يكون مفهومه منتزعا عن الذات ويجري عليها بملاحظة اتّصافها بمبدإ ما.

(٢) بأن كان المبدأ حالّا في الذات ، كاتّحاد الذات مع البياض والسواد ، فينتزع عنها الأبيض بملاحظة اتّحادها مع البياض ـ مثلا ـ.

(٣) كاتّحاد الذات مع الفوقيّة والتحتيّة ، فإنّ اتّصاف الذات بهما يكون بنحو الانتزاع.

(٤) بأن يصدر المبدأ من الذات ، كالضرب ، فينتزع عنها الضارب بملاحظة صدور الضرب عنها.

(٥) والأولى أن يقول : «أو الإيجاد» ، كالشرب القائم بذات الفاعل ، فينتزع عنها الشارب بملاحظة قيامه بالفاعل ، ويسمّى : «إيجادا».

(٦) كما قال المحقّق الرشتيّ في بدائع الأفكار : ١٧٦ : «قضيّة ظاهر العنوانات وتصريح المحقّق القمّي عموم النزاع لسائر المشتقّات». ولكن المحقّق القمّي لم يصرّح في القوانين إلّا باسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة.

وهو غير صالح ، كما هو واضح (١).

فلا وجه لما زعمه بعض الأجلّة (٢) من الاختصاص باسم الفاعل وما بمعناه من الصفات المشبّهة وما يلحق بها ، وخروج سائر الصفات.

ولعلّ منشؤه (٣) توهّم كون ما ذكره (٤) لكلّ منها ـ من المعنى ـ ممّا اتّفق عليه الكلّ ، وهو كما ترى (٥).

واختلاف أنحاء التلبّسات حسب تفاوت مبادئ المشتقّات بحسب الفعليّة والشأنيّة والصناعة والملكة ـ حسبما يشير إليه (٦) ـ لا يوجب تفاوتا في المهمّ من محلّ النزاع هاهنا ، كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لا يبعد أن يراد بالمشتقّ في محلّ النزاع مطلق ما كان مفهومه ومعناه جاريا على الذات ومنتزعا عنها بملاحظة اتّصافها بعرض أو عرضيّ ولو كان جامدا ، كالزوج والزوجة والرقّ والحرّ (٧).

وإن أبيت إلّا عن اختصاص النزاع المعروف بالمشتقّ ـ كما هو قضيّة الجمود على ظاهر لفظه ـ فهذا القسم من الجوامد أيضا محلّ النزاع. كما يشهد به ما عن الإيضاح في باب الرضاع في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان أرضعتا زوجته

__________________

(١) تعريض بصاحب الفصول ، حيث ذهب إلى اختصاص النزاع باسم الفاعل وما بمعناه ، واستدلّ عليه حيث قال : «كما يدلّ عليه تمثيلهم به». الفصول الغرويّة : ٦٠. وجه التعريض أنّ التمثيل غير صالح لاختصاص النزاع بالمثال.

(٢) وهو صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٦٠.

(٣) أي : منشأ ما زعمه صاحب الفصول من الاختصاص.

(٤) أي : ما ذكره صاحب الفصول. راجع الفصول الغرويّة : ٥٩.

(٥) إذ كلّها مصبّ النزاع.

(٦) أي : حسبما يشير صاحب الفصول إليه ، فراجع الفصول : ٦١.

(٧) فالنسبة بين المشتقّ في مورد النزاع والمشتقّ بحسب اصطلاح النحاة هي العموم من وجه ، فيجتمعان في أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبّهة ، ويفترق الأوّل عن الثاني في الجوامد الجارية على الذات ، كالزوج والحرّ ، ويفترق الثاني عن الأوّل في بعض المشتقّات الاصطلاحيّة ، كالمصادر والأفعال المزيدة.