درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۹۳: اوامر ۱۹

 

لا بدّ في تحقيق ذلك من تمهيد مقدّمات :

إحداها : [في بيان الوجوب التوصّليّ والتعبّديّ]

الوجوب التوصّليّ هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرّد حصول الواجب ، ويسقط بمجرّد وجوده ؛ بخلاف التعبّديّ ، فإنّ الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك ، بل لا بدّ في سقوطه وحصول غرضه من الإتيان به متقرّبا به منه تعالى (١).

ثانيها (٢) : [في امتناع أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر]

إنّ التقرّب المعتبر في التعبّديّ إن كان بمعنى قصد الامتثال والإتيان بالواجب بداعي أمره ، كان ممّا يعتبر في الطاعة عقلا ، لا ممّا اخذ في نفس العبادة شرعا. وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتّى إلّا من قبل الأمر بشيء في متعلّق

__________________

ـ حتّى بلحاظ الغرض الباعث للإيجاب. والإطلاق المدّعى في المقام هو إطلاق المادّة دون إطلاق الوجوب والصيغة. فلا وجه لجعل هذا البحث من مباحث الصيغة. نهاية الدراية ١ : ٢٢٤.

ويمكن أن يقال : أنّ الوجوب وإن كان داعيا للمكلّف إلى ما تعلّق به ، لكنّه ليس الغرض من الوجوب ، بل الغرض منه هو حصول المصلحة الموجودة في ما تعلّق به ، كما أنّ الغرض من التحريم هو عدم حصول المفسدة الموجودة في ما تعلّق به النهي ـ بناء على ما عليه مشهور العدليّة من قيام المصالح والمفاسد بمتعلّقات التكاليف ـ. فيبحث عن أنّ المصلحة هل تحصل بمجرّد وجود ما تعلّق به الوجوب أو لا يكاد يحصل إلّا بالإتيان به متقرّبا إلى الله؟ فيرجع البحث إلى أنّ الغرض من الوجوب هل يحصل بمجرّد فعل الواجب ولو بدون قصد القربة أو لا يحصل إلّا بإتيانه متقرّبا إلى الله؟ فالتعبّديّة والتوصليّة وإن كانتا وصفان للواجب حقيقة ـ لأنّ التوصّليّة عبارة عن كون ما تعلّق به الوجوب محصّلا للغرض من الوجوب بمجرّد وجوده ، والتعبّدية عبارة عن كون ما تعلّق به الوجوب محصّلا للغرض فيما إذا اتي به متقرّبا إلى الله ـ إلّا أنّه غير أجنبيّ عن الوجوب. ولعلّه ذكره المصنّف في المقام. وإن كان الأولى أن يقال : «إنّ إطلاق الواجب هل يقتضي كونه توصّليّا أو لا؟».

(١) ولا يخفى : أنّ لهم في تفسير التعبّديّ والتوصليّ عبارات مختلفة ، لا يهمّنا التعرّض لها في المقام. وإن شئت فراجع فوائد الاصول ١ : ١٣٧ ـ ١٣٨ ، نهاية الأفكار ١ : ١٣٨ ، المحاضرات ٢ : ١٣٩ ـ ١٤٠ ، مناهج الوصول ١ : ٢٥٨ ـ ٢٥٩.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «ثانيتها».

ذاك الأمر مطلقا ـ شرطا أو شطرا ـ (١). فما لم تكن نفس الصّلاة متعلّقة للأمر لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها (٢).

وتوهّم إمكان تعلّق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر ، وإمكان الإتيان بها بهذا الداعي ـ ضرورة إمكان تصوّر الآمر لها (٣) مقيّدة (٤) ، والتمكّن من إتيانها كذلك بعد

__________________

(١) أوّل من قال باستحالة أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر هو الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٦٠. وتبعه في ذلك أكثر من تأخّر عنه.

(٢) والحاصل : أنّ أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر مستلزم لمحذورين :

الأوّل : ما أشار إليه المصنّف بقوله : «لاستحالة أخذ ما ...». وحاصله : أنّ متعلّق الأمر سابق على نفس الأمر رتبة ، لأنّه معروض الأمر ، والمعروض مقدّم على عارضه رتبة. فالأمر متأخّر عن المتعلّق ، وقصد الأمر متأخّر عن نفس الأمر ـ ضرورة أنّه ما لم يتحقّق أمر لا يمكن قصد ذلك الأمر ـ ، فلا يمكن أن يكون قصد الأمر مأخوذا في المتعلّق الّذي هو متقدّم على الأمر ، والّا لزم الخلف أو الدور.

وببيان آخر : إنّ قصد الأمر متوقّف على الأمر قبله ، فلو كان الأمر متوقّفا على قصد الأمر ـ لكونه دخيلا في المتعلّق الّذي يتوقّف عليه الأمر ـ يلزم الدور ، وهو محال. فإذا قصد القربة محال في مقام التشريع.

الثاني : ما أشار اليه بقوله : «فما لم تكن نفس الصلاة ...». وحاصله : أنّ الأمر انّما يتعلّق بما كان مقدورا للمكلّف ، وليس المقدور له إلّا الإتيان بنفس متعلّق الأمر ـ أي الصلاة نفسها مثلا ـ. وأمّا الإتيان بمتعلّق الأمر بداعي أمره فلا يقدر عليه المكلّف إلّا إذا صدر أمرا آخر تعلّق بما تعلّق به الأمر الأوّل ، والمفروض فقدانه ، فالإتيان بمتعلّق الأمر بداعي أمره غير مقدور. فإذا أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر محال في مقام الامتثال ، كما كان محالا في مقام التشريع.

وممّا ذكرنا يظهر أنّه كان الأولى أن يقول : «ولأنّه ما لم تكن ...».

(٣) أي : للصلاة. وفي بعض النسخ : «تصوّر الأمر بها». وهذا أيضا صحيح.

(٤) أي : مقيّدة بداعي طبيعة الأمر.

وهذا دليل لقول المتوهّم : «إمكان تعلّق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر» وجواب عن المحذور الأوّل. وحاصله : أنّ الأمر بالصلاة لا يتوقّف على وجود الصلاة في الخارج ، بل يكفي وجودها تصوّرا ، فيتعلّق الأمر بالصلاة المقيّدة بداعي طبيعة الأمر بعد تصوّرها. وأمّا داعي الأمر فهو متوقّف على الأمر بوجوده الخارجيّ ، لا التصوّري ، إذ يمكن تصوّر الداعي ولو لم يكن أمرا أصلا. فالموقوف عليه الأمر غير الموقوف على الأمر ، لأنّ الّذي يتوقّف عليه الأمر هو قصد الأمر بوجوده التصوّري والّذي يتوقّف على الأمر هو قصد الأمر بوجوده الخارجيّ ، فلا دور.

تعلّق الأمر بها ، والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلا في صحّة الأمر إنّما هو في حال الامتثال لا حال الأمر (١) ـ واضح الفساد ، ضرورة أنّه وإن كان تصوّرها كذلك (٢) بمكان من الإمكان ، إلّا أنّه لا يكاد يمكن الإتيان بها بداعي أمرها ، لعدم الأمر بها ، فإنّ الأمر حسب الفرض تعلّق بها مقيّدة بداعي الأمر (٣) ، ولا يكاد يدعو الأمر إلّا إلى ما تعلّق به ، لا إلى غيره.

إن قلت : نعم ، ولكن نفس الصلاة أيضا صارت مأمورا بها بالأمر بها مقيّدة.

قلت : كلّا ، لأنّ ذات المقيّد لا تكون مأمورا بها ، فإنّ الجزء التحليليّ العقليّ لا يتّصف بالوجوب أصلا ، فإنّه ليس إلّا وجود واحد واجب بالوجوب النفسيّ ، كما ربّما يأتي في باب المقدّمة (٤).

إن قلت : نعم ، لكنّه إذا اخذ قصد الامتثال شرطا ، وأمّا إذا اخذ شطرا فلا محالة نفس الفعل الّذي تعلّق الوجوب به مع هذا القصد يكون متعلّقا للوجوب ، إذ المركّب ليس إلّا نفس الأجزاء بالأسر ، ويكون تعلّقه بكلّ بعين تعلّقه بالكلّ ، ويصحّ أن يؤتى به بداعي ذاك الوجوب ، ضرورة صحّة الإتيان بأجزاء الواجب بداعي وجوبه (٥).

قلت : مع امتناع اعتباره كذلك ، فإنّه يوجب تعلّق الوجوب بأمر غير

__________________

(١) هذا دليل لقول المتوهّم : «وإمكان الإتيان بها بهذا الداعي» وجواب عن المحذور الثاني.

وحاصله : أنّ القدرة المعتبرة في التكليف هي القدرة على الفعل حين الامتثال ، والقدرة على قصد الأمر حاصلة في ظرف الامتثال ، لتحقّق الأمر ، فالقدرة على الفعل موجودة ويتمكّن المكلّف من إتيانه بداعي الأمر به.

(٢) أي : مقيّدة بداعي الأمر.

(٣) وهي غير مقدورة ، لتوقّفها على تعلّق الأمر بذات الصلاة حتّى يصحّ الإتيان بها بداعى أمرها.

(٤) يأتي في الصفحة : ١٩٦ من هذا الجزء ، حيث قال : «فلو نهض دليل على وجوبها فلا محالة يكون وجوبها نفسيّا ...».

(٥) فيقال : ذات الفعل جزء من الواجب ، وكلّ جزء من أجزائه يجوز إتيانه بداعي وجوب نفسه بالكلّ ، فذات الفعل يجوز إتيانها بداعي وجوب نفسه.