درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۹۸: اوامر ۲۴

 

[مقتضى الاصول العمليّة]

فلا بدّ عند الشكّ (١) وعدم إحراز هذا المقام (٢) من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل ، ويستقلّ به العقل.

فاعلم : أنّه لا مجال هاهنا إلّا لأصالة الاشتغال ـ ولو قيل بأصالة البراءة فيما إذا دار الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ـ. وذلك لأن الشّك هاهنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم ، مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها ، فلا يكون العقاب مع الشكّ وعدم إحراز الخروج عقابا بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان (٣) ، ضرورة أنّه بالعلم بالتكليف تصحّ المؤاخذة على المخالفة وعدم الخروج عن العهدة لو اتّفق عدم الخروج عنها بمجرّد الموافقة بلا قصد القربة. وهكذا الحال في كلّ ما شكّ دخله في الطاعة والخروج به عن العهدة ممّا لا يمكن اعتباره في المأمور به ، كالوجه والتمييز (٤).

__________________

(١) أي : الشكّ في دخل شيء في متعلّق الأمر ، كقصد القربة ، حيث يمتنع أخذه في متعلّق الأمر ، فلا إطلاق حتّى يتمسّك به في اثبات عدم دخله.

(٢) أي : كون الآمر بصدد بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه.

(٣) أي : ولا تكون المؤاخذة عليه مؤاخذة بلا برهان.

(٤) لا يخفى : أنّ دعوى المصنّف في المبحث الخامس مركّب من دعاو خمسة :

الاولى : امتناع أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر لو كان الأمر واحدا.

الثانية : امتناع أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر ولو كان الأمر متعدّدا.

الثالثة : أنّ الأصل هو التوصليّة فيما إذا احرز أنّ الآمر يكون في مقام بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه.

الرابعة : أنّ المجرى فيما إذا دار الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين هو البراءة الشرعيّة.

الخامسة : أنّه لو شكّ في دخل شيء في متعلّق الأمر ممّا يمتنع أخذه فيه ، ولم يحرز كون الآمر بصدد بيان تمام ما له دخل في غرضه ، فليس في كلامه إطلاق ، لا الإطلاق المقاليّ ولا المقاميّ ، فلا بدّ من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل العمليّ ، وهو أصالة الاشتغال.

ولكن خالفه في هذه الدعاوي أكثر من تأخّر عنه.

أمّا الدعوى الاولى : فخالفه السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ.

مناهج الوصول ١ : ٢٧٤ ، المحاضرات ٢ : ١٧٧. ـ

نعم ، يمكن أن يقال : إنّ كلّ ما يحتمل بدوا دخله في امتثال أمر وكان (١) ممّا تغفل عنه غالبا العامّة ، كان على الآمر بيانه ونصب قرينة على دخله واقعا ، وإلّا لأخلّ بما هو همّه وغرضه. أمّا إذا لم ينصب دلالة على دخله كشف عن عدم دخله. وبذلك يمكن القطع بعدم دخل الوجه والتميّز (٢) في الطاعة بالعبادة ، حيث ليس منهما عين ولا أثر في الأخبار والآثار ، وكانا ممّا تغفل عنه العامّة ، وإن احتمل اعتباره (٣) بعض الخاصّة (٤) ، فتدبّر جيّدا.

ثمّ إنّه لا أظنّك أن تتوهّم وتقول : «إنّ أدلّة البراءة الشرعيّة (٥) مقتضية لعدم الاعتبار ، وإن كان قضيّة الاشتغال عقلا هو الاعتبار (٦)» ؛ لوضوح أنّه لا بدّ في عمومها من شيء قابل للرفع والوضع شرعا ، وليس هاهنا ، فإنّ دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعيّ ، بل واقعيّ. ودخل الجزء والشرط فيه وإن كان

__________________

ـ وأمّا الثانية : فخالفه الأعلام الثلاثة ، فراجع نهاية الدراية ١ : ٢٣٤ ـ ٢٣٧ ، بدائع الأفكار (للمحقّق العراقيّ) ١ : ٢٣٢ ، فوائد الاصول ١ : ١٦٢.

وأمّا الرابعة : فهي الموافق للمشهور. وخالفه فيها المحقّق الاصفهانيّ ، فقال : «يمكن القول بالبراءة هنا ، وإن قلنا بالاحتياط في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين». نهاية الدراية ١ : ٢٤٤.

وأمّا الخامسة : فهي توافق ما رامه الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٦١. ولكن خالفه المحقّق الحائريّ والأعلام الثلاثة والسيّدان العلمان. فراجع درر الفوائد ١ : ٦٨ نهاية الدراية ١ : ٢٤٤ ، فوائد الاصول ١ : ١٦٨ ، نهاية الأفكار ١ : ٢٠٢ ، المحاضرات ٢ : ١٩٣ ، مناهج الوصول ١ : ٢٧٨.

وعلى المتتبّع أن يرجع كلماتهم حتّى يظهر اختلافهم في هذا المقال تفصيلا وإطلاقا.

(١) هكذا في النسخة المطبوعة ـ بالطبع الحجريّ ـ المذيّلة بحاشية العلّامة المشكينيّ ، وهو الصحيح.

وفي بعض النسخ المخطوطة : «كلّ ما ربّما يحتمل بدوا دخله في الامتثال أمرا كان ...» ، وهو غلط.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «التمييز».

(٣) أي : اعتبار الوجه والتمييز. والإفراد باعتبار رجوعه إلى «ما».

(٤) وهو بعض المتكلّمين والفقهاء. لاحظ جواهر الكلام ٩ : ١٦٠ ـ ١٦٣.

(٥) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رفع ما لا يعلمون» و «الناس في سعة ما لا يعلمون».

(٦) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «وإن كانت قضيّة الاشتغال عقلا هي الاعتبار».

كذلك (١) إلّا أنّهما قابلان للوضع والرفع شرعا. فبدليل الرفع ـ ولو كان أصلا ـ يكشف أنّه ليس هناك أمر فعليّ بما يعتبر فيه المشكوك يجب الخروج عن عهدته عقلا ، بخلاف المقام ، فإنّه علم بثبوت الأمر الفعليّ (٢) ، كما عرفت (٣) ، فافهم.

المبحث السادس

[مقتضى إطلاق الصيغة هو الوجوب النفسيّ التعيينيّ العينيّ]

قضيّة إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيّا تعيينيّا عينيّا (٤) ، لكون كلّ واحد ممّا يقابلها يكون فيه تقيّد الوجوب وتضيّق دائرته (٥). فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه ، فالحكمة تقتضي كونه مطلقا (٦) ، وجب هناك شيء آخر أو لا ،

__________________

(١) أي : واقعيّا.

(٢) وهو حكم العقل بلزوم تحصيل العلم بالفراغ.

(٣) قبل أسطر ، حيث قال : «فاعلم أنّه لا مجال هاهنا ...».

(٤) الواجب النفسيّ هو الواجب لنفسه لا لأجل واجب آخر ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب الغيريّ ، كالوضوء.

والواجب التعيينيّ هو الواجب بلا واجب آخر يكون بديلا عنه في عرضه ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب التخييريّ ، كخصال كفّارة الإفطار العمديّ في شهر رمضان.

والواجب العينيّ ما يتعلّق بالمكلّف بشخصه ولا يسقط بفعل الغير ، كالصوم. ويقابله الواجب الكفائيّ ، كصلاة الميّت.

وسيأتي توضيح بعض الأقسام إن شاء الله.

(٥) والأولى أن يقول : «لما في كلّ واحد من مقابلاتها من تقيّد الوجوب وتضيّق دائرته». بيان ذلك : أنّ كلّ واحد من الوجوب الغيريّ والتخييريّ والكفائيّ مقيّد بقيد وجوديّ. فالأوّل مقيّد بكونه منبعثا عن وجوب آخر ، والثاني مقيّد بكونه ذا عدل ، والثالث مقيّد بسقوطه بفعل الغير.

فالنفسيّة ليست إلّا عدم كون الوجوب منبعثا عن وجوب آخر ، والتعيينيّة هي عدم كون الوجوب ذا عدل ، والعينيّة ليست إلّا عدم سقوطه بفعل الغير. وعدم القرينة على القيود الوجوديّة دليل على عدمها.

(٦) وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بما حاصله : أنّ مقدّمات الحكمة لا تقتضي النفسيّة أو التعيينيّة أو العينيّة ، كما لا تقتضي مقابلاتها ، فإنّ النفسيّة والتعيينيّة والعينيّة مباينة مع مقابلاتها ، وكلّ منها يمتاز عن مقابله بقيد وجوديّ أو عدميّ ، فهي ومقابلاتها خصوصيّات ـ