درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۰۹: اوامر ۳۵

 

الصيغة (١).

إن قلت : هذا إنّما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره (٢) ، وأمّا بالنسبة إلى أمر آخر ـ كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ بالنسبة إلى الأمر الواقعيّ ـ فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره (٣) بنحو يفيد الإجزاء أو بنحو آخر لا يفيده (٤).

قلت : نعم ، لكنّه لا ينافي كون النزاع فيهما في الاقتضاء (٥) بالمعنى المتقدّم ،

__________________

ـ بل في كثير من المباحث الاصوليّة. فيقال ـ مثلا ـ : «هل يقتضي وجوب ذي المقدّمة وجوب المقدّمة؟».

وبالجملة : فالمراد من الاقتضاء في المقام هو الاستلزام ، فيكون معنى قوله : «الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء» أنّ الإتيان بالمأمور به يستلزم عقلا سقوط التكليف شرعا.

(١) وقد اشكل عليه : بأنّه كلمة «الاقتضاء» في كلام القوم منسوب إلى الأمر ـ كما في الفصول والقوانين ـ ، فلا يصحّ الاستشهاد على إرادة العلّيّة من الاقتضاء بأنّه ورد منسوبا إلى الإتيان.

والجواب عنه : أنّ المصنّف لم يكن بصدد بيان المراد من الاقتضاء في كلام من ذهب إلى كون المسألة لفظيّة ، بل كان في مقام بيان المراد من الاقتضاء في كلام من ذهب إلى كون المسألة عقليّة ، كالشيخ الأنصاريّ ، فإنّه أسند الاقتضاء إلى الإتيان ، لا الأمر.

(٢) أي : الأمر المتعلّق بالمأتي به.

(٣) الضمير يرجع إلى المأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ.

(٤) وحاصل الإشكال : أنّ كلمة «الاقتضاء» في العنوان ليس بمعنى العلّيّة مطلقا ، بل يكون في بعض الموارد بمعنى العلّيّة وفي بعض آخر بمعنى الدلالة. بيان ذلك : أنّ النزاع في المسألة تارة يكون في إجزاء المأمور به عن أمره ـ كإجزاء المأمور به بالأمر الواقعيّ عن الأمر الواقعيّ ، وإجزاء المأمور به بالأمر الاضطراريّ عن الأمر الاضطراريّ ، وإجزاء المأمور به الظاهريّ عن الأمر الظاهريّ ـ حينئذ يكون الاقتضاء بمعنى العلّيّة ، إذ لا تلحظ دلالة الدليل. واخرى يكون في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ عن الأمر الواقعيّ ، فيبحث عن دلالة الدليل على اعتبار المأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ بنحو يفيد سقوط الأمر الواقعيّ أو بنحو آخر لا يفيد سقوط الأمر الواقعيّ؟

(٥) وفي بعض النسخ : «فيهما كان في الاقتضاء». ولكن الصحيح ما أثبتناه ، بل هو ما يستظهر من النسخة الأصليّة بعد الدقّة فيها.

غايته أنّ العمدة في سبب الاختلاف فيهما (١) إنّما هو الخلاف في دلالة دليلهما ـ هل أنّه (٢) على نحو يستقلّ العقل بأنّ الإتيان به موجب للإجزاء ويؤثّر فيه ـ وعدم دلالته ، ويكون النزاع فيه (٣) صغرويّا أيضا (٤). بخلافه في الإجزاء بالإضافة إلى أمره ، فإنّه لا يكون إلّا كبرويّا لو كان هناك نزاع ، كما نقل عن بعض (٥) ، فافهم (٦).

ثالثها : [المراد من الإجزاء]

الظاهر أنّ «الإجزاء» هاهنا بمعناه لغة ، وهو الكفاية ، وإن كان يختلف ما يكفي عنه ، فإنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ يكفي فيسقط به التعبّد به ثانيا ، وبالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ يكفي فيسقط به القضاء ، لا أنّه يكون هاهنا اصطلاحا ـ بمعنى إسقاط التعبّد أو القضاء ـ ، فإنّه بعيد جدا.

__________________

(١) أي : في اقتضاء إتيان المأمور به الاضطراريّ والظاهريّ بمعنى العلّيّة والتأثير.

(٢) أي : دليلهما.

(٣) والأولى أن يقول : «فيهما» ، فإنّ الضمير يرجع إلى المأمور به الاضطراريّ والمأمور به الظاهريّ.

(٤) وحاصل الجواب : أنّ وقوع النزاع فيهما في الاقتضاء بمعنى الدلالة لا ينافي وقوعه فيهما في الاقتضاء بمعنى العلّيّة. بل يكون هناك نزاعان : أحدهما صغرويّ ، وهو النزاع في دلالة دليلهما على أنّ موضوعيهما وافيان بتمام مصلحة المأمور به الواقعيّ وعدم دلالته. وثانيهما كبرويّ ، وهو النزاع في أنّ نفس الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ هل يؤثّر في الإجزاء بلحاظ وفائه بتمام المصلحة أو لا يؤثّر فيه بلحاظ عدم وفائه بتمام المصلحة؟

فالنزاع الأوّل منشأ للنزاع الثاني ، ولا تنافي بينهما.

(٥) نقله العلّامة الحلّيّ عن أبي هاشم. ونقله السيّد الطباطبائيّ عن أبي هاشم وعبد الجبّار وأتباعهما. راجع مبادئ الوصول : ١١١ ، ومفاتيح الاصول : ١٢٦.

(٦) لعلّه إشارة إلى ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ من أنّ فرض ابتناء وقوع النزاع في الكبرى على وقوع النزاع في الصغرى لا يناسب المسائل الاصوليّ ، إذ من شرائط المسائل الاصوليّة أن تكون نتيجتها كلّيّة جارية في جميع الموارد. مضافا إلى أنّه إذا كان النزاع الصغرويّ المذكور منشأ للنزاع الكبرويّ فالمناسب أن يحرّر النزاع في المنشأ ـ أي دلالة الدليل ـ ويفرّع النزاع الكبرويّ على كيفيّة دلالة دليلهما. نهاية الدراية ١ : ٢٥٩ ـ ٢٦٠.

رابعها : [فارق المسألة عن مسألة المرّة والتكرار]

الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرّة والتكرار لا يكاد يخفى ، فإنّ البحث هاهنا في أنّ الإتيان بما هو المأمور به يجزئ عقلا؟ بخلافه في تلك المسألة ، فإنّه في تعيين ما هو المأمور به شرعا بحسب دلالة الصيغة بنفسها أو بدلالة اخرى. نعم ، كان التكرار عملا موافقا لعدم الإجزاء ، لكنّه لا بملاكه.

وهكذا الفرق بينها وبين مسألة تبعيّة القضاء للأداء (١) ، فإنّ البحث في تلك المسألة في دلالة الصيغة على التبعيّة وعدمها. بخلاف هذه المسألة ، فإنّه ـ كما عرفت ـ في أنّ الإتيان بالمأمور به يجزئ عقلا عن إتيانه ثانيا ـ أداء أو قضاء ـ أو لا يجزئ؟ فلا علقة بين المسألة والمسألتين أصلا.

إذا عرفت هذه الامور فتحقيق المقام يستدعي البحث والكلام في موضعين :

الموضع الأوّل

[في إجزاء الإتيان بالمأمور به عن التعبّد به ثانيا]

انّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ ، بل أو (٢) بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ أيضا يجزئ عن التعبّد به ثانيا ، لاستقلال العقل بأنّه لا مجال مع موافقة الأمر بإتيان المأمور به على وجهه لاقتضائه التعبّد به ثانيا.

نعم ، لا يبعد أن يقال بأنّه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبّد به ثانيا بدلا عن التعبّد به أوّلا ، لا منضمّا إليه ـ كما أشرنا إليه في المسألة السابقة (٣) ـ. وذلك فيما

__________________

(١) لا يخفى عليك : أنّه لا وجه لتعرّض الفرق بينهما بعد عدم وجود أيّ تشابه بينهما يوجب توهّم رجوعهما إلى بحث واحد. كيف؟ والموضوع في هذه المسألة هو الإتيان بالمأمور به وأنّه يجزئ عن الواقع أم لا؟ والموضوع في تلك المسألة هو عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف كلمة «أو».

(٣) راجع مبحث المرّة والتكرار ، الصفحة : ١٥٣.