درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۲۸: اوامر ۵۴

 

أمّا الأوّل : فكون أحدهما شرطا له ليس إلّا أنّ للحاظه دخلا في تكليف الآمر ، كالشرط المقارن بعينه ، فكما أنّ اشتراطه بما يقارنه ليس إلّا أنّ لتصوّره دخلا في أمره بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر ، كذلك المتقدّم أو المتأخّر.

وبالجملة : حيث كان الأمر من الأفعال الاختياريّة ، كان من مبادئه ـ بما هو كذلك ـ تصوّر الشيء بأطرافه ليرغب في طلبه والأمر به ، بحيث لولاه لما رغب فيه ، ولما أراده واختاره ، فيسمّى كلّ واحد من هذه الأطراف ـ الّتي لتصوّرها دخل في حصول الرغبة فيه وإرادته ـ : «شرطا» ، لأجل دخل لحاظه في حصوله ، كان مقارنا له أو لم يكن كذلك ، متقدّما أو متأخّرا ، فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطا ، كان فيهما كذلك ، فلا إشكال.

وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقا ، ولو كان مقارنا ، فإنّ دخل شيء في الحكم به وصحّة انتزاعه لدى الحاكم به ليس إلّا ما كان بلحاظه يصحّ انتزاعه ، وبدونه لا يكاد يصحّ اختراعه عنده ، فيكون دخل كلّ من المقارن وغيره بتصوّره ولحاظه ، وهو (١) مقارن. فأين انخرام القاعدة العقليّة في غير المقارن؟ فتأمّل تعرف (٢).

__________________

(١) أي : تصوّره ولحاظه.

(٢) وأورد عليه المحقّق النائينيّ بما حاصله : أنّ رجوع شرائط الحكم إلى التصوّر انّما يتمّ فيما إذا كان الحكم المنشأ بنحو القضيّة الخارجيّة ، لا فيما إذا كان بنحو القضيّة الحقيقيّة ، فإنّ المؤثّر في ثبوت الحكم في القضايا الخارجيّة هو علم المولى بتحقّق الموضوع وإن لم يكن في الواقع ثابتا ، وأمّا القضايا الحقيقيّة ـ الّتي ينشأ الحكم فيها على موضوع مقدّر الوجود ـ فالمؤثّر في ثبوت الحكم من حيث الموضوع هو وجود الموضوع في الخارج ، سواء علم به المولى أو لم يعلم ، لأنّ الحكم ينشأ على تقدير ثبوت الموضوع واقعا. وموضع البحث في الشرط المتأخّر هو الأحكام المنشأة بنحو القضيّة الحقيقيّة ، لا الأحكام المنشأة بنحو القضيّة الخارجيّة. فما ذكره المصنّف خلط بين النحوين من القضايا.

وهذا الإيراد تعرّض له السيّد المحقّق الخوئيّ ودفعه ، ثمّ حاول وجها آخر في تصحيح الشرط المتأخّر. وحاصله : أنّ باب الأحكام الشرعيّة باب الاعتبارات ، وهو أجنبيّ عن باب التأثير والتأثّر ، كما أنّه لا مانع من تقييدها بأمر مقارن أو متقدّم ، ضرورة أنّ مردّ تقييده بأمر متأخّر هو أنّه بوجوده المتأخّر يكشف عن وجود الواجب في ظرفه. المحاضرات ٢ : ٣٠٧ ـ ٣١٥. ـ

وأمّا الثاني : فكون شيء شرطا للمأمور به ليس إلّا ما يحصل لذات المأمور به بالإضافة إليه وجه وعنوان به يكون حسنا أو متعلّقا للغرض بحيث لولاها (١) لما كان كذلك. واختلاف الحسن والقبح والغرض باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من الإضافات ممّا لا شبهة فيه ولا شكّ يعتريه. والإضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخّر أو المتقدّم بلا تفاوت أصلا ، كما لا يخفى على المتأمّل. فكما تكون إضافة شيء إلى مقارن له موجبا لكونه معنونا بعنوان يكون بذلك العنوان حسنا ومتعلّقا للغرض ، كذلك إضافته إلى متأخّر أو متقدّم ، بداهة أنّ الإضافة إلى أحدهما ربما توجب ذلك أيضا ، فلو لا حدوث المتأخّر في محلّه لما كانت للمتقدّم تلك الإضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه والأمر به ، كما هو الحال في المقارن أيضا ، ولذلك اطلق عليه الشرط مثله (٢) بلا انخرام للقاعدة أصلا ، لأنّ المتقدّم أو المتأخّر كالمقارن ليس إلّا طرف الإضافة الموجبة للخصوصيّة الموجبة للحسن ، وقد حقّق في محلّه أنّه بالوجوه والاعتبارات (٣) ، ومن الواضح أنّها تكون بالإضافات. فمنشأ توهّم الانخرام إطلاق الشرط على المتأخّر ؛ وقد عرفت أنّ إطلاقه عليه فيه كإطلاقه على المقارن إنّما يكون لأجل كونه طرفا للإضافة الموجبة للوجه الّذي يكون بذاك الوجه مرغوبا ومطلوبا ، كما

__________________

ـ ثمّ إنّ المحقّق العراقيّ حاول تصحيح الشرط المتأخّر بالتصرّف في معنى الشرط. وحاصله : أنّ الشرط ليس جزءا دخيلا في الأثر ، بل الشرط هو طرف ما يحدّد المقتضي وتحصل به الخصوصيّة اللازمة لتأثير المقتضي. فهو طرف إضافة وتحديد بها تحصل الفاعليّة للفاعل. ولا يمتنع أن يكون طرف الإضافة من الامور المتأخّرة بعد ما كانت الإضافة مقارنة ولم يكن للأمر المتأخّر أيّ تأثير. نهاية الأفكار ١ : ٢٧٩ ـ ٢٨٠ ، بدائع الأفكار ١ : ٣٢٠ ـ ٣٢١.

ولكن السيّد الإمام الخمينيّ ـ بعد ما تعرّض لما ذكره المحقّق العراقيّ تصحيحا للشرط المتأخّر ـ ناقش فيه من وجوه. ثمّ تصدّى لدفع الإشكال بوجهين آخرين ، ثانيهما أنّ موضوعات الأحكام وشرائطها كلّها تكون عرفيّة ، لا عقليّة ، والعرف يرى إمكان التقييد والإضافة بالأمر المتأخّر ، ولو كان العقل لا يساعد عليه ، كما هو الحال في سائر الموضوعات الشرعيّة. راجع تمام كلامه في مناهج الوصول ١ : ٢٣٨ ـ ٢٤٣.

(١) أي : لو لا الإضافة إليه.

(٢) أي : مثل المقارن.

(٣) راجع شرح تجريد الاعتقاد : ٣٠٢.

كان في الحكم لأجل دخل تصوّره فيه كدخل تصوّر سائر الأطراف والحدود الّتي لو لا لحاظها لما حصل له الرغبة في التكليف ، أو لما صحّ عنده الوضع.

وهذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الإشكال في بعض فوائدنا (١) ، لم يسبقني إليه أحد فيما أعلم ، فافهم واغتنم.

ولا يخفى : أنّها بجميع أقسامها داخلة في محلّ النزاع ، وبناء على الملازمة يتّصف اللاحق بالوجوب كالمقارن والسابق ، إذ بدونه لا تكاد تحصل الموافقة ، ويكون سقوط الأمر بإتيان المشروط به مراعى بإتيانه ، فلو لا اغتسالها في الليل ـ على القول بالاشتراط ـ لما صحّ الصوم في اليوم.

الأمر الثالث

في تقسيمات الواجب

[١ ـ الواجب المطلق والواجب المشروط]

منها : تقسيمه إلى المطلق والمشروط.

وقد ذكر لكلّ منهما تعريفات وحدود تختلف بحسب ما اخذ فيها من القيود ، وربما اطيل الكلام بالنقض والإبرام في النقض على الطرد والعكس (٢) ، مع أنّها ـ كما لا يخفى ـ تعريفات لفظيّة لشرح الاسم ، وليست بالحدّ ولا بالرسم.

والظاهر أنّه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق والمشروط ، بل يطلق كلّ منهما بما له من معناه العرفيّ. كما أنّ الظاهر أنّ وصفي الإطلاق والاشتراط وصفان إضافيّان ، لا حقيقيّان ، وإلّا لم يكد يوجد واجب مطلق ، ضرورة اشتراط وجوب كلّ واجب ببعض الامور ، لا أقلّ من الشرائط العامّة ، كالبلوغ والعقل.

فالحريّ أن يقال : إنّ الواجب مع كلّ شيء يلاحظ معه ، إن كان وجوبه غير

__________________

(١) راجع فوائد الاصول (للمصنّف) : ٥٧.

(٢) راجع مطارح الأنظار : ٤٣ ، بدائع الأفكار (للمحقّق الرشتيّ) : ٣٠٤.