درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۴۵: اوامر ۷۱

 

وربّما قيل (١) في الدوران بين الرجوع إلى الهيئة أو المادّة بترجيح الإطلاق في طرف الهيئة وتقييد المادّة ، لوجهين :

أحدهما : أنّ إطلاق الهيئة يكون شموليّا ، كما في شمول العامّ لأفراده ، فإنّ وجوب الإكرام على تقدير الإطلاق يشمل جميع التقادير الّتي يمكن أن يكون تقديرا له ، وإطلاق المادّة يكون بدليّا غير شامل لفردين في حالة واحدة.

ثانيهما : أنّ تقييد الهيئة (٢) يوجب بطلان محلّ الإطلاق في المادّة ويرتفع به مورده (٣) ، بخلاف العكس (٤) ، وكلّما دار الأمر بين تقييدين كذلك كان التقييد الّذي لا يوجب بطلان الآخر أولى.

أمّا الصغرى : فلأجل أنّه لا يبقى مع تقييد الهيئة محلّ حاجة وبيان لإطلاق المادّة ، لأنّها (٥) لا محالة لا تنفكّ عن وجود قيد الهيئة ؛ بخلاف تقييد المادّة ، فإنّ محلّ الحاجة إلى إطلاق الهيئة على حاله ، فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجوب القيد وعدمه.

وأمّا الكبرى : فلأنّ التقييد وإن لم يكن مجازا ، إلّا أنّه خلاف الأصل ، ولا فرق في الحقيقة بين تقييد الإطلاق وبين أن يعمل عملا يشترك مع التقييد في الأثر وبطلان العمل به.

__________________

(١) والقائل هو الشيخ الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٤٩.

ولا يخفى : أنّه قد تقدّم من الشيخ إنكار إمكان رجوع القيد إلى الهيئة عقلا ، فلا يتصوّر الدوران بين تقييد الهيئة وتقييد المادّة حتّى يحكم برجوع القيد إلى المادّة من جهة الترجيح اللفظيّ. وهذا يؤيّد عدم صحّة نسبة امتناع تقييد الهيئة إلى الشيخ.

(٢) أي : تقييد إطلاق الهيئة.

(٣) إذ يمتنع أخذ المادّة بدون قيد الوجوب ، ضرورة أنّ وجوب الحجّ ـ مثلا ـ إذا قيّد بالاستطاعة فلا يبقى للحجّ ـ وهو المادّة ـ إطلاق ، إذ الحجّ لا عن استطاعة ليس بواجب ، بداهة أنّه لا وجوب في ظرف عدم الاستطاعة كي يتّصف به الحجّ ويصير واجبا.

(٤) أي : تقييد إطلاق المادّة لا يستلزم تقييد إطلاق الهيئة.

(٥) أي : المادّة ، وهي الواجب.

وما ذكرناه من الوجهين موافق لما أفاده بعض مقرّري بحث الاستاذ العلّامة رحمه‌الله (١).

وأنت خبير بما فيهما :

أمّا في الأوّل : فلأنّ مفاد إطلاق الهيئة وإن كان شموليّا بخلاف المادّة ، إلّا أنّه لا يوجب ترجيحه على إطلاقها ، لأنّه أيضا كان بالإطلاق ومقدّمات الحكمة ، غاية الأمر أنّها تارة تقتضي العموم الشموليّ واخرى البدليّ ، كما ربّما تقتضي التعيين أحيانا ، كما لا يخفى.

وترجيح عموم العامّ على إطلاق المطلق إنّما هو لأجل كون دلالته بالوضع ، لا لكونه شموليّا ؛ بخلاف المطلق فإنّه بالحكمة ، فيكون العامّ أظهر منه فيقدّم عليه.

فلو فرض أنّهما في ذلك على العكس ـ فكان عامّ بالوضع دلّ على العموم البدليّ ومطلق بإطلاقه دلّ على الشمول ـ لكان العامّ يقدّم بلا كلام (٢).

وأمّا في الثاني : فلأنّ التقييد وإن كان خلاف الأصل ، إلّا أنّ العمل الّذي يوجب عدم جريان مقدّمات الحكمة وانتفاء بعض مقدّماته لا يكون على خلاف أصل (٣) أصلا ، إذ معه لا يكون هناك إطلاق كي يكون بطلان العمل به في الحقيقة

__________________

(١) وهو الشيخ أبو القاسم الكلانتريّ في مطارح الأنظار : ٤٩.

(٢) لأنّ ظهور العامّ بالوضع وظهور المطلق بالإطلاق.

ولكن التحقيق : أنّ المناط في التقديم هو الأظهريّة ، سواء كان منشؤها الوضع أو الإطلاق.

وخالفه المحقّق النائينيّ ، واختار مقالة الشيخ الأنصاريّ من تقديم الإطلاق الشموليّ على الإطلاق البدليّ ، واستدلّ عليه بثلاثة امور ذكرها السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ ثمّ ناقشا فيها. فذهب الأوّل إلى إنكار أساس البحث إمّا من جهة عدم دلالة للّفظ كي تكون شموليّة أو بدليّة ، وإمّا من جهة عدم تصوّر المسألة بوجه معقول. وذهب الثاني إلى أنّ ترجيح الشموليّ على البدليّ في الإطلاق انّما يصحّ فيما إذا كانت المعاندة بين الدليلين بالذات ، والمعارضة في المقام ليست بالذات بل تعرض من العلم الاجماليّ بأنّ القيد إمّا راجع إلى الهيئة وإمّا راجع إلى المادّة. فراجع فوائد الاصول ١ : ٣٣٤ ـ ٣٣٨ ، ومناهج الوصول ١ : ٣٦٦ ـ ٣٦٨ ، والمحاضرات ٢ : ٣٣٤ ـ ٣٣٨.

(٣) وفي بعض النسخ : «الأصل».