درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۴۷: اوامر ۷۳

 

وما ذكرناه من الوجهين موافق لما أفاده بعض مقرّري بحث الاستاذ العلّامة رحمه‌الله (١).

وأنت خبير بما فيهما :

أمّا في الأوّل : فلأنّ مفاد إطلاق الهيئة وإن كان شموليّا بخلاف المادّة ، إلّا أنّه لا يوجب ترجيحه على إطلاقها ، لأنّه أيضا كان بالإطلاق ومقدّمات الحكمة ، غاية الأمر أنّها تارة تقتضي العموم الشموليّ واخرى البدليّ ، كما ربّما تقتضي التعيين أحيانا ، كما لا يخفى.

وترجيح عموم العامّ على إطلاق المطلق إنّما هو لأجل كون دلالته بالوضع ، لا لكونه شموليّا ؛ بخلاف المطلق فإنّه بالحكمة ، فيكون العامّ أظهر منه فيقدّم عليه.

فلو فرض أنّهما في ذلك على العكس ـ فكان عامّ بالوضع دلّ على العموم البدليّ ومطلق بإطلاقه دلّ على الشمول ـ لكان العامّ يقدّم بلا كلام (٢).

وأمّا في الثاني : فلأنّ التقييد وإن كان خلاف الأصل ، إلّا أنّ العمل الّذي يوجب عدم جريان مقدّمات الحكمة وانتفاء بعض مقدّماته لا يكون على خلاف أصل (٣) أصلا ، إذ معه لا يكون هناك إطلاق كي يكون بطلان العمل به في الحقيقة

__________________

(١) وهو الشيخ أبو القاسم الكلانتريّ في مطارح الأنظار : ٤٩.

(٢) لأنّ ظهور العامّ بالوضع وظهور المطلق بالإطلاق.

ولكن التحقيق : أنّ المناط في التقديم هو الأظهريّة ، سواء كان منشؤها الوضع أو الإطلاق.

وخالفه المحقّق النائينيّ ، واختار مقالة الشيخ الأنصاريّ من تقديم الإطلاق الشموليّ على الإطلاق البدليّ ، واستدلّ عليه بثلاثة امور ذكرها السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ ثمّ ناقشا فيها. فذهب الأوّل إلى إنكار أساس البحث إمّا من جهة عدم دلالة للّفظ كي تكون شموليّة أو بدليّة ، وإمّا من جهة عدم تصوّر المسألة بوجه معقول. وذهب الثاني إلى أنّ ترجيح الشموليّ على البدليّ في الإطلاق انّما يصحّ فيما إذا كانت المعاندة بين الدليلين بالذات ، والمعارضة في المقام ليست بالذات بل تعرض من العلم الاجماليّ بأنّ القيد إمّا راجع إلى الهيئة وإمّا راجع إلى المادّة. فراجع فوائد الاصول ١ : ٣٣٤ ـ ٣٣٨ ، ومناهج الوصول ١ : ٣٦٦ ـ ٣٦٨ ، والمحاضرات ٢ : ٣٣٤ ـ ٣٣٨.

(٣) وفي بعض النسخ : «الأصل».

مثل التقييد الّذي يكون على خلاف الأصل.

وبالجملة : لا معنى لكون التقييد خلاف الأصل إلّا كونه خلاف الظهور المنعقد للمطلق ببركة مقدّمات الحكمة ، ومع انتفاء المقدّمات لا يكاد ينعقد له (١) هناك ظهور كان (٢) ذاك العمل ـ المشارك مع التقييد في الأثر وبطلان العمل بإطلاق المطلق ـ مشاركا معه في خلاف الأصل أيضا (٣).

وكأنّه توهّم أنّ إطلاق المطلق (٤) كعموم العامّ (٥) ثابت ورفع اليد عن العمل به (٦) تارة لأجل التقييد واخرى بالعمل المبطل (٧) للعمل به.

__________________

(١) أي : للمطلق.

(٢) هكذا في جميع النسخ. ولكن الصحيح «ليكون».

(٣) والحاصل : أنّه إذا كان القيد متّصلا ورجع إلى الهيئة لم يتّجه هذا الوجه الثاني ، لأنّ تقييد الهيئة يكون مانعا من انعقاد الظهور الإطلاقيّ في المادّة ، فلا يثبت ظهور للمادّة في الإطلاق كي يرفع بتقييد الهيئة ويكون التصرّف فيه مخالفة للظاهر ويوجب ارتكاب خلاف الأصل ؛ فلا يدور الأمر بين تقييد وتقييدين ، بل بين تقييد وتقييد. وأمّا إذا كان القيد منفصلا فحيث أنّه انعقد الظهور للمادّة في الإطلاق فرجوع القيد إلى الهيئة يوجب رفع اليد عن هذا الظهور ، وهو خلاف الأصل ، هذا.

ولكن المحقّق النائينيّ خالف المصنّف في تفصيله ووافق الشيخ الأنصاريّ وذهب إلى رجوع القيد إلى المادّة مطلقا ، سواء كان القيد متّصلا أم منفصلا. أجود التقريرات ١ : ١٦٥ ـ ١٦٦ ، فوائد الاصول ١ : ٢١٧ ـ ٢١٨.

والمحقّق الاصفهانيّ وافق المصنّف بدعوى عدم الملازمة بين تقييد الهيئة وتقييد المادّة من جهة أنّ رجوع القيد إلى المادّة إنّما يوجب تقييد المادّة من جهة مطلوبيّتها مع القيد ، وأمّا إطلاقها من جهة الوفاء بتمام مصلحتها بدون القيد باق على حاله ولا ينثلم بتقييد الهيئة. فراجع نهاية الدراية ١ : ٣٦٢ ـ ٣٦٦.

ووافقه أيضا السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ. فالأوّل وافقه بدعوى أنّ هذا النحو من الاستلزام ينعكس في جانب تقييد المادّة ، فتقييد كلّ منها يوجب نحو تضييق لصاحبتها وابطالا لمحلّ إطلاقها. والثاني وافقه بدعوى نفي الملازمة بين تقييد الهيئة وتقييد المادّة من جهة أنّ النسبة بين التقييدين عموم من وجه. فراجع تفصيل كلاميهما في مناهج الوصول ١ : ٣٦١ ـ ٣٧٠ ، والمحاضرات ٢ : ٣٤٢ ـ ٣٤٤.

(٤) أي : إطلاق المادّة.

(٥) أي : عموم الهيئة.

(٦) أي : بإطلاق المطلق ، أعني : المادّة.

(٧) وهو في المقام تقييد الهيئة.

وهو فاسد ، لأنّه لا يكون إطلاق إلّا فيما جرت هناك المقدّمات. نعم ، إذا كان التقييد بمنفصل ، ودار الأمر بين الرجوع إلى المادّة أو الهيئة ، كان لهذا التوهّم مجال حيث انعقد للمطلق إطلاق ، وقد استقرّ له ظهور ولو بقرينة الحكمة ، فتأمّل.

[٣ ـ الواجب النفسيّ والواجب الغيريّ]

ومنها : تقسيمه إلى النفسيّ والغيريّ.

[تعريف الواجب النفسيّ والغيريّ]

وحيث كان طلب شيء وإيجابه لا يكاد يكون بلا داع ، فإن كان الداعي فيه هو التوصّل به إلى واجب لا يكاد التوصّل بدونه إليه لتوقّفه عليه فالواجب غيريّ ، وإلّا فهو نفسيّ ، سواء كان الداعي محبوبيّة الواجب بنفسه ، كالمعرفة بالله ، أو محبوبيّته بما له من فائدة مترتّبة عليه ، كأكثر الواجبات من العبادات (١) والتوصّليّات (٢). هذا.

لكنّه لا يخفى : أنّ الداعي لو كان هو محبوبيّته كذلك ـ أي بما له من الفائدة المترتّبة عليه ـ كان الواجب في الحقيقة واجبا غيريّا ، فإنّه لو لم يكن وجود هذه الفائدة لازما لما دعا إلى إيجاب ذي الفائدة.

فإن قلت : نعم ، وإن كان وجودها محبوبا لزوما ، إلّا أنّه حيث كانت من الخواصّ المترتّبة على الأفعال الّتي ليست داخلة تحت قدرة المكلّف لما كاد يتعلّق بها الإيجاب.

قلت : بل هي داخلة تحت القدرة ، لدخول أسبابها تحتها ، والقدرة على السبب قدرة على المسبّب ، وهو واضح ، وإلّا لما صحّ وقوع مثل التطهير والتمليك والتزويج والطلاق والعتاق إلى غير ذلك من المسبّبات موردا لحكم من الأحكام التكليفيّة.

__________________

(١) كالصلاة والصوم والحجّ.

(٢) كتكفين الميّت ودفنه.