درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۴۹: اوامر ۷۵

 

فالأولى أن يقال : إنّ الأثر المترتّب عليه وإن كان لازما ، إلّا أنّ ذا الأثر لمّا كان معنونا بعنوان حسن يستقلّ العقل بمدح فاعله بل وبذمّ تاركه ، صار متعلّقا للإيجاب بما هو كذلك ؛ ولا ينافيه كونه مقدّمة لأمر مطلوب واقعا. بخلاف الواجب الغيريّ ، لتمحّض وجوبه في أنّه لكونه مقدّمة لواجب نفسيّ ؛ وهذا أيضا لا ينافي أن يكون معنونا بعنوان حسن في نفسه ، إلّا أنّه لا دخل له في إيجابه الغيريّ (١).

ولعلّه مراد من فسّرهما بما امر به لنفسه ، وما امر به لأجل غيره (٢). فلا يتوجّه عليه (٣) بأنّ جلّ الواجبات لو لا الكلّ يلزم أن يكون من الواجبات الغيريّة ، فإنّ المطلوب النفسيّ قلّما يوجد في الأوامر ، فإنّ جلّها مطلوبات لأجل الغايات الّتي هي خارجة عن حقيقتها ، فتأمّل.

__________________

(١) وأورد عليه المحقّق النائينيّ بأنّه يستلزم أن يكون في الواجب النفسيّ ملاكان : ملاك الوجوب النفسيّ وملاك الوجوب الغيريّ ، وهو ممتنع.

ثمّ تصدّى لدفع الإيراد بوجه آخر ، حاصله : أنّ نسبة الفعل الواجب إلى الأثر نسبة المعدّ إلى المعدّ له ، لا نسبة السبب التوليديّ إلى مسبّبه كي يكون مقدورا بالواسطة ، وذلك لأنّ الأثر لا يترتّب على الفعل إلّا بتوسيط أمور غير اختياريّة ، فيمتنع تعلّق التكليف به ، لكونه غير مقدور حتّى بالواسطة.

ثمّ أورد على التعريف المذكور بأنّه يستلزم خروج الواجبات التهيّئيّة عن كونها واجبات نفسيّة ، لأنّ الأمر بها يكون لأجل التوصّل بها إلى واجبات أخر ، فيلزم أن تكون واجبات غيريّة ، مع أنّها نفسيّة.

ثمّ عدل عن التعريف وقال : «الأولى أن يعرّف الواجب النفسيّ بما امر به لنفسه ـ أي تعلّق الأمر به ابتداء وكان متعلّقا للإرادة كذلك ـ. ويقابله الواجب الغيريّ وهو ما إذا كانت إرادته ترشّحيّة من ناحية إرادة الغير». فوائد الاصول ١ : ٢١٩ ـ ٢٢٠ ، أجود التقريرات ١ : ١٦٧ ـ ١٦٨.

والفرق بين التعريفين أنّ النفسيّة والغيريّة وصفان إضافيّان على الأوّل ـ كما صرّح بذلك المصنّف ـ ، ووصفان متباينان على الثاني.

(٢) هو ما حكاه الشيخ الأنصاريّ عن غير واحد على ما في مطارح الأنظار : ٦٦.

(٣) إشارة إلى ما أورده الشيخ الأنصاريّ على التفسير المذكور. راجع مطارح الأنظار : ٦٦.

حكم التردّد بين النفسيّة والغيريّة

ثمّ إنّه لا إشكال فيما إذا علم بأحد القسمين. وأمّا إذا شكّ في واجب أنّه نفسيّ أو غيريّ ، فالتحقيق أنّ الهيئة وإن كانت موضوعة لما يعمّهما إلّا أنّ إطلاقها يقتضي كونه (١) نفسيّا ، فإنّه لو كان شرطا لغيره لوجب التنبيه عليه على المتكلّم الحكيم.

وأمّا ما قيل (٢) من : «أنّه لا وجه للاستناد إلى إطلاق الهيئة لدفع الشكّ المذكور بعد كون مفادها الأفراد الّتي لا يعقل فيها التقييد (٣). نعم ، لو كان مفاد الأمر هو مفهوم الطلب صحّ القول بالإطلاق ، لكنّه بمراحل من الواقع ، إذ لا شكّ في اتّصاف الفعل بالمطلوبيّة بالطلب المستفاد من الأمر ، ولا يعقل اتّصاف المطلوب بالمطلوبيّة بواسطة مفهوم الطلب ، فإنّ الفعل يصير مرادا بواسطة تعلّق واقع الإرادة وحقيقتها لا بواسطة مفهومها. وذلك واضح لا يعتريه ريب».

ففيه : أنّ مفاد الهيئة ـ كما مرّت الإشارة إليه (٤) ـ ليس الأفراد ، بل هو مفهوم الطلب ـ كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف (٥) ـ ، ولا يكاد يكون فرد الطلب الحقيقيّ (٦) والّذي يكون بالحمل الشائع طلبا ، وإلّا لما صحّ إنشاؤه بها ، ضرورة أنّه من الصفات الخارجيّة الناشئة من الأسباب الخاصّة (٧). نعم ، ربما يكون هو (٨) السبب لإنشائه كما يكون غيره أحيانا.

واتّصاف الفعل بالمطلوبيّة الواقعيّة والإرادة الحقيقيّة ـ الداعية إلى إيقاع طلبه

__________________

(١) أي : الواجب.

(٢) والقائل الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٦٧.

(٣) والوجه في ذلك أنّ الأفراد واقعيّات خارجيّة جزئيّة ولا يعقل السعة والإطلاق فيها ، فلا يعقل الضيق والتقييد فيها.

(٤) لا يخفى عليك : أنّه ليس في كلام المصنّف في مبحث الوضع من مفاد الهيئة عين ولا أثر ، إلّا أنّه لما كانت الهيئات ملحقة بالحروف في الوضع فالتصريح بوضع الحروف إشارة إلى وضعها.

(٥) راجع الأمر الثاني من الأمور المقدّمة في مقدّمة الكتاب : ٢٨.

(٦) الإضافة بيانيّة ، فمعنى العبارة : أنّه لا يكاد يكون مفهوم الطلب فردا للطلب ، وهو الطلب الحقيقيّ.

(٧) وهي الأسباب التكوينيّة الخارجيّة.

(٨) أي : الفرد الخارجيّ من الطلب.