درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۷۹: اوامر ۱۰۵

 

لا يكاد يتعلّق الأمر الغيريّ إلّا بما هو مقدّمة الواجب ، فلو كان (١) مقدّميّته متوقّفة على تعلّقه بها لدار.

والشرطيّة وإن كانت منتزعة عن التكليف ، إلّا أنّه عن التكليف النفسيّ المتعلّق بما قيّد بالشرط (٢) ، لا عن الغيريّ ، فافهم.

تتمّة

[في مقدّمة المستحبّ والحرام والمكروه]

لا شبهة في أنّ مقدّمة المستحبّ كمقدّمة الواجب ، فتكون مستحبّة لو قيل بالملازمة.

وأمّا مقدّمة الحرام والمكروه فلا تكاد تتّصف بالحرمة أو الكراهة ، إذ منها ما يتمكّن معه من ترك الحرام أو المكروه اختيارا كما كان متمكّنا قبله ، فلا دخل له أصلا في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه ، فلم يترشّح من طلبه طلب ترك مقدّمتهما.

نعم ، ما لم يتمكّن معه من الترك المطلوب لا محالة يكون مطلوب الترك ، ويترشّح من طلب تركهما (٣) طلب ترك خصوص هذه المقدّمة ، فلو لم يكن للحرام مقدّمة لا يبقى معها اختيار تركه لما اتّصف بالحرمة مقدّمة من مقدّماته (٤).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح «كانت».

(٢) فمتعلّق الأمر النفسيّ هو الصلاة مع الطهارة ـ مثلا ـ ، لا الصلاة والطهارة ، حتّى يقال : لا يصحّ تعلّق الأمر الغيريّ بالشرط بعد تعلّق الأمر النفسيّ به.

(٣) أي : الحرام والمكروه.

(٤) والحاصل : أنّ المحرّم من مقدّمات الحرام انّما هو ما لا يتوسّط بينها وبين الحرام اختيار ، وهي الأسباب التوليديّة في المحرّمات التوليديّة والإرادة في المحرّمات الإراديّة.

ولكن أورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بأنّ النفس لمّا كانت فاعلة بالآلة في العالم الطبيعيّ لا يمكن أن تكون إرادتها بالنسبة إلى الأفعال الخارجيّة المادّية جزءا أخيرا للعلّة ، بل هي مؤثّرة في الآلات والعضلات بالقبض والبسط حتّى تحصل الحركات العضويّة وترتبط بواسطتها بالخارج ، فتحقّق الأفعال الخارجيّة.

ثمّ ذهب إلى حرمة الجزء الأخير إذا كانت أجزاء العلّة مترتّبة ، وأحد الأجزاء إذا كانت عرضيّة. وذلك لمساعدة الوجدان ، ولأنّ الزجر عن الفعل مستلزم للزجر عمّا يخرج الفعل ـ

لا يقال : كيف؟ ولا يكاد يكون فعل إلّا عن مقدّمة لا محالة معها يوجد ، ضرورة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد.

فإنّه يقال : نعم ، لا محالة يكون من جملتها ما يجب معه صدور الحرام ، لكنّه لا يلزم أن يكون ذلك من المقدّمات الاختياريّة ، بل من المقدّمات الغير الاختياريّة ، كمبادئ الاختيار الّتي لا تكون بالاختيار ، وإلّا لتسلسل ، فلا تغفل وتأمّل.

__________________

ـ من العدم إلى الوجود ، وهو الجزء الأخير في المترتّبات وأحد الأجزاء في غيرها. مناهج الوصول ١ : ٤١٥ ـ ٤١٨.

وفي المقام تفاصيل أخر لا بأس بالتعرّض لبعضها :

الأوّل : أنّ مقدّمة الحرام هي المقدّمة حال الايصال إلى المحرّم ، دون مطلق المقدّمة.

فتكون كلّ مقدّمة من مقدّمات فعل الحرام متّصفة بالحرمة الغيريّة في ظرف انضمامها ببقيّة المقدّمات الملازم لترتّب الحرام عليها. هذا ما ذهب إليه المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٣٥٧ ، وبدائع الأفكار ١ : ٤٠٣.

الثاني : أنّ ترك الحرام يتحقّق بترك إحدى مقدّمات الوجود ، ومنه علم أنّ مقتضى القاعدة وجوب أحد التروك تخييرا ، وتعيّنه في ترك المقدّمة الأخيرة ، لا وجوب ترك الأخيرة بقول مطلق. وهذا ما اختاره المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ١ : ٤٢٢.

الثالث : أنّ مقدّمة الحرام تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

أحدها : ما لا يتوسّط بينه وبين ذيه اختيار الفاعل وإرادته ، بحيث لو أتى بالمقدّمة فيقع ذو المقدّمة في الخارج قهرا. وهذا القسم حرام بالحرمة النفسيّة ، لا غيريّة ، لأنّ النهي الوارد على ذي المقدّمة وارد عليها حقيقة.

ثانيها : ما يتوسّط بينه وبين ذيه اختيار الفاعل ، إلّا أنّ الفاعل يقصد بإتيانه التوصّل إلى الحرام. وهذا القسم أيضا حرام ، غاية الأمر أنّها حرام بالحرمة النفسيّة لو قلنا أنّ حرمتها من باب حرمة التجرّي ، وبالحرمة الغيريّة لو قلنا بسراية الحرمة إليه من ذي المقدّمة.

وثالثها : ما يتوسّط بينه وبين ذيه إرادة الفاعل ، إلّا أنّه لم يقصد بإتيانه التوصّل إلى الحرام. وهذا القسم ليس بحرام.

هذا ما أفاده المحقّق النائينيّ على ما في تقريرات بحث المحقّق الخوئيّ ، فراجع المحاضرات ٢ : ٤٣٩.

ولا يخفى : أنّ هذه التفاصيل أيضا لا تخلو عن المناقشة ، فإن أردت التحقيق حول ما أفادوه والاطّلاع على سائر التفاصيل والآراء فراجع مناهج الوصول ١ : ٤١٥ ـ ٤١٩ ، ودرر الفوائد ١ : ٩٩ ـ ١٠٠ ، ونهاية الاصول : ١٨٨ ، ومحاضرات في اصول الفقه ٢ : ٤٣٩ ـ ٤٤٠.

[الفصل الخامس]

[في مسألة الضدّ]

فصل : الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا (١)؟ فيه أقوال (٢).

وتحقيق الحال يستدعي رسم امور :

[الأمر] الأوّل : [المراد من الاقتضاء والضدّ]

الاقتضاء في العنوان أعمّ من أن يكون بنحو العينيّة (٣) أو الجزئيّة (٤) أو اللزوم

__________________

(١) وقع الخلاف بين الاصوليّين في أنّ هذه المسألة هل هي من المسائل الاصوليّة العقليّة أو من المسائل الاصوليّة اللفظيّة أو من مبادئ الأحكام أو من المباحث اللغويّة؟

ذهب الأكثر إلى الأوّل.

أمّا أنّها أصوليّة ، فلأنّها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعيّ ولو مع الواسطة ، فنقول ـ مثلا ـ : «إنّ الشارع أمر بالصلاة ، والأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ، فالأمر بالصلاة يقتضي النهي عن ضدّه». ثمّ نجعل النتيجة صغرى لقياس آخر ونقول : «الأمر بالصلاة يقتضى النهي عن ضدّها ، والنهي عن الشيء يقتضى فساده إذا كان عبادة ، فالأمر بالصلاة يقتضي فساد ضدّه إذا كان عبادة».

وأمّا أنّها عقليّة ، فلأنّ البحث فيها عن الملازمة ، والحاكم بالملازمة انّما هو العقل.

(٢) تعرّض لها الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ١١٧.

(٣) أي : إنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه ، فيدلّ عليه بالدلالة المطابقة. وهذا ما اختاره صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٩٢.

(٤) أي : إنّ الأمر بالشيء يدلّ على النهي عن ضدّه العامّ بالدلالة التضمّنيّة ، بناء على أنّ المنع من الترك جزء تحليليّ في معنى الوجوب.

من جهة التلازم بين طلب أحد الضدّين وطلب ترك الآخر (١) أو المقدّميّة (٢) ، على ما سيظهر. كما أنّ المراد بالضدّ هاهنا هو مطلق المعاند والمنافي ، وجوديّا كان أو عدميّا.

[الأمر] الثاني : [تحقيق الحال في المقدّميّة وعدمها]

أنّ الجهة المبحوث عنها في المسألة وإن كانت أنّه هل يكون للأمر اقتضاء بنحو من الأنحاء المذكورة؟ إلّا أنّه لمّا كانت عمدة القائلين بالاقتضاء في الضدّ الخاصّ إنّما ذهبوا إليه لأجل توهّم مقدّميّة ترك الضدّ ، كان المهمّ صرف عنان الكلام في المقام إلى بيان الحال وتحقيق المقال في المقدّميّة وعدمها ، فنقول ـ وعلى الله الاتّكال ـ :

إنّ توهّم توقّف الشيء على ترك ضدّه ليس إلّا من جهة المضادّة والمعاندة بين الوجودين ، وقضيّتها (٣) الممانعة بينهما ، ومن الواضحات أنّ عدم المانع من المقدّمات (٤).

__________________

(١) ذهب المحقّق القميّ إلى أنّ الأمر يقتضي النهي عن ضدّه العامّ على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ أو غير البيّن. واختاره العلّامة النراقيّ أيضا. فراجع قوانين الاصول ١ : ١٠٨ و ١١٣ ، مناهج الأحكام : ٦١.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى الاقتضاء على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ ، فيدلّ عليه بالدلالة الالتزاميّة. فوائد الاصول ١ : ٣٠٣.

(٢) أي : إنّ الأمر يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ من جهة أنّ وجود الضدّ مقدّمة لعدم الضدّ الآخر ، كما أنّ عدمه مقدّمة لوجود الضدّ الآخر.

(٣) أي : مقتضي المضادّة. والأولى أن يقول : «قضيّتهما» كي يرجع الضمير إلى المضادّة والمعاندة.

(٤) هذا ما توهّمه الحاجبيّ والعضديّ على ما في مطارح الأنظار : ١٠٤ ، وشرح العضديّ ١ : ٩٠ و ٩٦ ـ ٩٧ و ١٩٩.

وحاصل التوهّم : أنّه لا ريب في أنّ كلّ واحد من الضدّين مانع عن وجود الآخر ، وعدم المانع من أجزاء العلّة الّتي هي مقدّمة على المعلول ، فعدم أحد الضدّين المانع عن وجود الضدّ الآخر مقدّم رتبة على وجود الضدّ الآخر ، فهو مقدّمة لوجود الضدّ الآخر.