درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۸۰: اوامر ۱۰۶

 

من جهة التلازم بين طلب أحد الضدّين وطلب ترك الآخر (١) أو المقدّميّة (٢) ، على ما سيظهر. كما أنّ المراد بالضدّ هاهنا هو مطلق المعاند والمنافي ، وجوديّا كان أو عدميّا.

[الأمر] الثاني : [تحقيق الحال في المقدّميّة وعدمها]

أنّ الجهة المبحوث عنها في المسألة وإن كانت أنّه هل يكون للأمر اقتضاء بنحو من الأنحاء المذكورة؟ إلّا أنّه لمّا كانت عمدة القائلين بالاقتضاء في الضدّ الخاصّ إنّما ذهبوا إليه لأجل توهّم مقدّميّة ترك الضدّ ، كان المهمّ صرف عنان الكلام في المقام إلى بيان الحال وتحقيق المقال في المقدّميّة وعدمها ، فنقول ـ وعلى الله الاتّكال ـ :

إنّ توهّم توقّف الشيء على ترك ضدّه ليس إلّا من جهة المضادّة والمعاندة بين الوجودين ، وقضيّتها (٣) الممانعة بينهما ، ومن الواضحات أنّ عدم المانع من المقدّمات (٤).

__________________

(١) ذهب المحقّق القميّ إلى أنّ الأمر يقتضي النهي عن ضدّه العامّ على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ أو غير البيّن. واختاره العلّامة النراقيّ أيضا. فراجع قوانين الاصول ١ : ١٠٨ و ١١٣ ، مناهج الأحكام : ٦١.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى الاقتضاء على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ ، فيدلّ عليه بالدلالة الالتزاميّة. فوائد الاصول ١ : ٣٠٣.

(٢) أي : إنّ الأمر يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ من جهة أنّ وجود الضدّ مقدّمة لعدم الضدّ الآخر ، كما أنّ عدمه مقدّمة لوجود الضدّ الآخر.

(٣) أي : مقتضي المضادّة. والأولى أن يقول : «قضيّتهما» كي يرجع الضمير إلى المضادّة والمعاندة.

(٤) هذا ما توهّمه الحاجبيّ والعضديّ على ما في مطارح الأنظار : ١٠٤ ، وشرح العضديّ ١ : ٩٠ و ٩٦ ـ ٩٧ و ١٩٩.

وحاصل التوهّم : أنّه لا ريب في أنّ كلّ واحد من الضدّين مانع عن وجود الآخر ، وعدم المانع من أجزاء العلّة الّتي هي مقدّمة على المعلول ، فعدم أحد الضدّين المانع عن وجود الضدّ الآخر مقدّم رتبة على وجود الضدّ الآخر ، فهو مقدّمة لوجود الضدّ الآخر.

وهو توهّم فاسد ، وذلك لأنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلّا عدم اجتماعهما في التحقّق ، وحيث لا منافاة أصلا بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديله ، بل بينهما كمال الملاءمة ، كان أحد العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر ، كما لا يخفى(١).

__________________

(١) هذا أوّل الوجوه الّتي ذكرها المصنّف في دفع توهّم مقدّميّة عدم الضدّ للضدّ الآخر.

وتوضيحه : أنّ المنافرة والمعاندة بين الضدّين انّما يقتضي عدم اجتماعهما في مقام التحقّق والوجود ، فكلّ منهما يمنع الآخر عن التحقّق ، ويستحيل اجتماعهما في الوجود في زمان واحد. وأمّا عدم أحدهما ووجود الآخر فلا منافاة بينهما ، بل هما في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي التقدّم كي يكون عدم أحدهما متقدّما على وجود الآخر.

مثلا : البياض والسواد متضادّان ، ومقتضى مضادّتهما استحالة اجتماعهما في الوجود في زمان واحد. وأمّا وجود السواد وعدم البياض فلا منافاة بينهما ، بل بينهما كمال الملاءمة بحيث وجود السواد يستلزم عدم البياض بالضرورة ، فوجود السّواد وعدم البياض في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدّم عدم البياض على وجود السواد كي يكون عدم البياض من قبيل عدم المانع للسواد ليكون من مقدّمات وجوده.

وأورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بأنّ غاية ما تقتضيه الملاءمة بين الضدّ ونقيضه هي المقارنة الزمانيّة بين الضدّ وعدم الآخر ، وهي لا تنافي التقدّم بالعلّيّة والطبع. نهاية الدراية ١ : ٤٢٥.

ثمّ إنّ السيّد الإمام الخمينيّ ـ بعد عدم ارتضائه بما ذكره المصنّف في دفع التوهّم ـ ذكر وجها آخر في دفعه ، ثمّ أجاب عنه بوجه دقيق :

أمّا الدفع ، فحاصله : أنّ نقيض أحد العينين يحمل على العين الآخر بالحمل الشائع ، فعدم البياض يحمل على السواد بالحمل الشائع ، لأنّ السواد لا يصدق على البياض ، ومع عدم صدقه لا بدّ من أن يصدق عليه نقيضه ، وإلّا ارتفع النقيضان. والصدق يقتضي الاتّحاد ، وهو ينافي التقدّم والتأخّر رتبة.

وأمّا الجواب عنه ، فحاصله : أنّ نقيض صدق البياض على السواد عدم صدقه عليه ـ على نحو السلب التحصيليّ ـ ، لا صدق عدمه عليه ـ بنحو الإيجاب العدوليّ ـ ، فالبياض وإن لم يصدق عليه أنّه سواد ، ولكن يصدق عليه أنّه ليس بسواد ـ بالسلب التحصيليّ ـ ، وهو نقيض الإيجاب ، لا صدق عدم السواد حتّى يلزم اتّحادهما في الوجود. مناهج الوصول ٢ : ١٠ ـ ١١.

فكما أنّ قضيّة المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر ، كذلك في المتضادّين (١).

كيف؟! ولو اقتضى التضادّ توقّف وجود الشيء على عدم ضدّه ـ توقّف الشيء على عدم مانعة ـ لاقتضى توقّف عدم الضدّ على وجود الشيء ـ توقّف عدم الشيء على مانعة ـ ، بداهة ثبوت المانعيّة في الطرفين وكون المطاردة من الجانبين ، وهو دور واضح (٢).

وما قيل (٣) في التفصّي عن هذا الدور بأنّ التوقّف من طرف الوجود فعليّ ، بخلاف التوقّف من طرف العدم ، فإنّه يتوقّف على فرض ثبوت المقتضي له (٤) مع

__________________

(١) هذا ثاني الوجوه الّتي ذكرها المصنّف في دفع الاستدلال على مقدّميّة عدم الضدّ للضدّ الآخر. وحاصله : النقض بالمتناقضين. وتوضيحه : أنّه لا فرق بين المتناقضين والمتضادّين في استحالة اجتماعهما في الوجود ، وذلك لثبوت ملاكها فيهما على السواء. ومعلوم أنّ أحد النقيضين يكون في رتبة عدم الآخر ، ضرورة أنّ وجود زيد ـ مثلا ـ في رتبة عدم نقيضه ـ أي عدم عدمه ـ من دون تقدّم بينهما ، لأنّ عدم عدمه نفس وجوده ، وتقدّم الشيء على نفسه محال. وعليه فليس مجرّد وجود المعاندة بين شيئين مستلزما لمقدّميّة عدم أحدهما لثبوت الآخر ، والّا لكان عدم أحد النقيضين مقدّما على النقيض الآخر ، وهو كما ترى.

وأجاب عنه السيّد الإمام الخمينيّ بمنع لزوم كون أحد النقيضين في رتبة عدم الآخر. راجع مناهج الوصول ٢ : ١٢ ـ ١٣.

(٢) وهذا ثالث الوجوه المذكورة في دفع التوهّم المذكور. وهو واضح.

وأجاب عنه المحقّق الاصفهانيّ بأنّ توقّف فعل الضدّ على تركه قضاء لحقّ الشرطيّة ، لكنّه لا علّيّة في طرف العدم ، إذ لا علّيّة في الأعدام ؛ مع أنّ الفعل ليس مطابق ترك الترك بل ملازم له. نهاية الدراية ١ : ٤٢٨.

وأجاب عنه السيّد الإمام الخمينيّ أيضا بأنّ التمانع إذ اقتضى توقّف وجود أحد الضدّين على عدم الآخر ـ توقّف الشيء على عدم مانعة ـ يقتضي أيضا توقّف وجود الضدّ الآخر على عدم ضدّه أيضا ، لا توقّف عدمه على وجوده ، لأنّ العدم ليس بشيء حتّى يتوقّف تحقّقه على شيء. مناهج الوصول ٢ : ١٣ ـ ١٤.

(٣) والقائل هو المحقّق الخوانساريّ على ما في مطارح الأنظار : ١٠٥.

(٤) أي : للوجود.

شراشر شرائطه غير عدم وجود ضدّه ، ولعلّه كان محالا ، لأجل انتهاء عدم وجود أحد الضدّين مع وجود الآخر إلى عدم تعلّق الإرادة الأزليّة به وتعلّقها بالآخر حسب ما اقتضته الحكمة البالغة ، فيكون العدم دائما مستندا إلى عدم المقتضي ، فلا يكاد يكون مستندا إلى وجود المانع كي يلزم الدور (١).

إن قلت : هذا إذا لوحظا منتهيين إلى إرادة شخص واحد. وأمّا إذا كان كلّ منهما متعلّقا لإرادة شخص ، فأراد ـ مثلا ـ أحد الشخصين حركة شيء وأراد الآخر سكونه ، فيكون المقتضي لكلّ منهما حينئذ موجودا ، فالعدم لا محالة يكون فعلا مستندا إلى وجود المانع.

قلت : [العدم] هاهنا أيضا (٢) مستند إلى عدم قدرة المغلوب منهما في إرادته ـ وهي ممّا لا بدّ منه في وجود المراد ، ولا يكاد يكون بمجرّد الإرادة بدونها ـ ، لا إلى وجود الضدّ ، لكونه مسبوقا بعدم قدرته ، كما لا يخفى (٣).

__________________

(١) حاصل التفصّي : أنّ توقّف وجود كلّ من الضدّين على عدم الضدّ الآخر فعليّ ، وتوقّف عدم الضدّ على وجود الضدّ الآخر تقديريّ ، فيرتفع الدور.

بيان ذلك : أنّ وجود الشيء يستند إلى جميع أجزاء علّته فعلا ، فوجود الضدّ مستند فعلا إلى عدم الضدّ الآخر ، لأنّه عدم المانع بالإضافة إلى وجود الضدّ ، وعدم المانع من أجزاء العلّة. وأمّا عدم الضدّ فهو لا يستند إلى وجود الضدّ الآخر ـ أعني وجود المانع ـ إلّا في صورة ثبوت مقتضى الضدّ الآخر ـ أعنى إرادة وجود الضدّ الآخر ـ وسائر شرائطه ، وإلّا فلو لم يكن المقتضي ـ أي الإرادة ـ موجودا استند عدم الضدّ إلى عدم ثبوت المقتضي ، لا إلى وجود الضدّ الآخر.

وبالجملة : فاستناد وجود الضدّ إلى عدم الضدّ الآخر فعليّ ، واستناد عدم الضدّ إلى وجود الضدّ الآخر تقديريّ ، فلا يلزم الدور.

وقوله : «ولعلّه كان محالا ...» أي : ولعلّ ثبوت مقتضي الضدّ الآخر لا يتحقّق أبدا. وذلك لأنّ مع إرادة المانع عن الضدّ ـ وهو الضدّ الآخر ـ لا يمكن أن تكون هناك إرادة اخرى تتعلّق بالضدّ ، فإذا فرض وجود أحد الضدّين لا بدّ أن يفرض عدم ثبوت مقتضي الضدّ الآخر ، وحينئذ يستند عدم الضدّ الآخر إلى عدم المقتضي ، لا إلى وجود المانع.

(٢) وفي النسخ سقط كلمة : «العدم».

(٣) والحاصل : أنّه إذا فرض أنّ كلّ واحد من الضدّين متعلّق لإرادة شخص واحد ، فحينئذ ـ