درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۸۶: اوامر ۱۱۲

 

[مسألة الترتّب] (١)

ثمّ إنّه تصدّى جماعة من الأفاضل لتصحيح الأمر بالضدّ بنحو الترتّب على العصيان وعدم إطاعة الأمر بالشيء بنحو الشرط المتأخّر ، أو البناء على المعصية (٢) بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن ، بدعوى أنّه لا مانع عقلا عن تعلّق الأمر بالضدّين كذلك ، أي بأن يكون الأمر بالأهمّ مطلقا ، والأمر بغيره معلّقا على عصيان ذاك الأمر ، أو البناء والعزم عليه ، بل هو واقع كثيرا عرفا (٣).

__________________

ـ اشتغاله بضدّه بحكم العقل. وإن اشتغل بالمهمّ فقد أتى بالمأمور به الفعليّ لكن لا يكون معذورا في ترك الأهمّ ، فيثاب بإتيان المهمّ ويعاقب بترك الأهمّ.

فالأهمّ والمهمّ ـ كالمتساويين ـ كلّ منهما مأمور به في عرض الآخر ، والأمران العرضيّان فعليّان متعلّقان بعنوانين كلّيّين. والمطاردة الّتي تحصل في مقام الإتيان إنّما توجب المعذوريّة العقليّة عن ترك أحد التكليفين حال الاشتغال بالآخر وعن ترك المهمّ حال اشتغاله بالأهمّ.

فعليه : أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي عدم الأمر بضدّه في التكاليف الكلّيّة كما فيما نحن فيه.

هذا حاصل كلامه أعلى الله مقامه الشريف. وعلى المتتبّع أن يلاحظ تفصيل كلامه في مناهج الوصول ٢ : ٢٣ ـ ٣٠.

(١) إنّ مسألة الترتّب من المسائل الحديثة ، وليس من المسائل العريفة في القدم ، بل ليس لها في كتب القدماء عين ولا أثر.

وأوّل من التزم به هو المحقّق الثانيّ ثمّ كاشف الغطاء. وفصّله المجدّد الشيرازيّ ، ثمّ رتّبه السيّد الفشاركيّ ، ونقّحه المحقّق النائينيّ ، وصحّحه المحقّق الاصفهانيّ كما يأتي. فراجع جامع المقاصد ٥ : ١٢ ـ ١٤ ، كشف الغطاء : ٢٧ ، تقريرات المجدّد الشيرازيّ ٢ : ٢٧٣ ـ ٢٨٢ ، الرسائل الفشاركيّة : ١٨٤ ـ ١٨٩ ، فوائد الاصول ١ : ٣٣٦ ، نهاية الدراية ١ : ٤٢٥.

وذهب المصنّف تبعا لاستاذه الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى عدم إمكان تصحيح الأمر بالضدّ بنحو الترتّب ، كما يأتي.

(٢) وفي النسخ : «على معصيته». والأولى ما أثبتناه.

(٣) كما أنّ الأب يأمر ابنه بالذّب إلى المدرسة ، وعلى تقدير عصيانه يأمره بالبقاء في الدار ـ مثلا ـ.

وحاصل مسلك الترتّب ـ على تقريب ذكره المصنّف في المقام ـ : أنّه يمكن تصحيح الأمر بالضدّ بأن يكون الضدّ المهمّ متعلّقا للأمر بشرط عصيان الأمر بالأهمّ أو البناء على عصيانه ، بحيث يجتمع الأمر بالضدّ المهمّ والأمر بالأهمّ في زمان واحد.

وتوضيحه : أنّ المكلّف إذا دخل المسجد وقت الصلاة ـ مثلا ـ وعلم بنجاسة المسجد ـ

قلت : ما هو ملاك استحالة طلب الضدّين في عرض واحد آت في طلبهما كذلك(١) ، فإنّه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهمّ اجتماع طلبهما إلّا أنّه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما ، بداهة فعليّة الأمر بالأهمّ في هذه المرتبة ، وعدم سقوطه بعد بمجرّد المعصية فيما بعد ما لم يعص ، أو العزم (٢) عليها ، مع فعليّة الأمر بغيره أيضا ، لتحقّق ما هو شرط فعليّته (٣) فرضا.

لا يقال : نعم ، لكنّه بسوء اختيار المكلّف حيث يعصي فيما بعد بالاختيار ، فلولاه لما كان متوجّها إليه إلّا الطلب بالأهمّ ، ولا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار.

فإنّه يقال : استحالة طلب الضدّين ليس إلّا لأجل استحالة طلب المحال ،

__________________

ـ فتوجّه إليه أمر «أزل النجاسة» ـ بناء على أن تكون الإزالة أهمّ والصلاة مهمّا ـ ، وهذا الأمر مطلق. فلو ترك الإزالة وعصى الأمر به توجّه إليه الأمر بالمهمّ ـ أعني : «صلّ» ـ. فيكون عصيان الأمر بالأهمّ موضوعا للأمر بالمهمّ ، كأنّ المولى قال : «أزل النجاسة وإن عصيت أو بنيت على العصيان فصلّ». وعليه فالأمر بالضدّ المهمّ مترتّب على عصيان الأمر بالأهمّ وفي طوله بنحو الشرط المتأخّر ، أو مترتّب على البناء على المعصية بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن ، مع بقاء الأمر بالأهمّ بعد عصيانه ، فإنّ الأمر لا يسقط بالعصيان. فالأمر بالضدّ المهمّ والأمر بالأهمّ وإن يجتمعان في زمان واحد ولكن أحدهما مطلق ـ وهو الأمر بالأهمّ ـ والآخر مشروط بشرط حاصل ـ وهو الأمر بالمهمّ الّذي مشروط بعصيان الأمر بالأهمّ أو البناء عليه ، والمفروض أنّه حاصل ـ ، فيختلفان رتبة لتأخّر الأمر بالمهمّ عن الأمر بالأهمّ ، فلا يلزم من طلبهما بهذا النحو محذور طلب الضدّين في عرض واحد ، بل هو واقع كثيرا في العرف.

(١) والأولى أن يقول : «ما هو الملاك في عدم المعقوليّة من استحالة طلب الضدّين ...» أو يقول : «ما هو ملاك الاستحالة من طلب الضدّين ...». ومراده أنّ ملاك عدم إمكان تعلّق الأمر بالضدّ ليس إلّا طلب الضدّين في عرض واحد ، لأنّه محال ، وهو يأتي في طلب الضدّين بنحو الترتّب أيضا. وذلك لأنّ الأمر بالأهمّ وإن لم يجتمع مع الأمر بالمهمّ في صورة اطاعة أمره ـ حيث لم يحقّق موضوع الأمر بالمهمّ ـ ، إلّا أنّه يجتمع مع الأمر بالمهمّ في صورة ترك الأهمّ ، ضرورة أنّ الأمر بالمهمّ وإن كان مشروطا ، لكن المفروض أنّ شرطه حاصل ، فيكون فعليّا ، والأمر بالأهمّ مطلق ولا يختصّ بصورة الإطاعة ، فهو أيضا فعليّ ، فإذن يجتمع الأمران الفعليّان المتعلّقان بالضدّين في آن واحد ، وهو محال.

(٢) عطف على المعصية.

(٣) وهو عصيان الأمر بالأهمّ أو العزم عليه.